المستديرة في المستطيل الأخضر

ماذا تُعلّم المرء كرة تتقاذفها أقدام اثنين وعشرين لاعباً في مستطيل أخضر تحفّه الجماهير وتهتف لفريقها بكل ما في حنجرتها من عنفوان، من أجل أن يفوز، فيما جماهير أخرى تراقب المشهد عبر الشاشات في أربع جهات الأرض؟

وما سرّ المتعة الآتية من لعبة أصبحت، بلا منازع، وستبقى الأكثر جماهيرية وشعبية من بين الألعاب الأخرى كافة؟ وهل الأمر مجرد تنافس على فوز بكأس أو لقب، أو جني أرباح، وبوابة ثراء سريع للقادمين، جُلّهم، من الحواري والأزقة المعتمة في بلاد الصفيح؟

ربما يكون كلُّ ما سبق صحيح، وله حصته في الواقع، لكنّ متابعاً شغوفاً لكرة القدم إلى حد الإدمان مثلي، يرى في كرة القدم بهجة مغايرة.. بهجة حقيقية طازجة، لا تزلّف فيها.. بهجة مبثوثة على الهواء بلا تصنيع أو تزييف أو فبركة. إنها المشاعر الإنسانية مجتمعة في أكثر لحظاتها حميمية وعنفاً وإشراقاً. إنها الكائن في تجلياته وانعطافاته وخيباته وحلمه المكسور وفرحه المتوّج، وهزيمته غير الأخيرة.

كرة القدم تعلّمنا الكثير

تعلّمنا الصبر، وتدرّب حواسنا كافة على عدم فقدان الأمل. إنها تمرين ضد اليأس. ثمة أهداف حرفت نتيجة مباريات حاسمة في الثانية الأخيرة من الوقت الإضافي، وهذه لحظة تضاهي الجنون، وتُجدّد شباب الأمل: ثمة بصيص فرج في نهاية النفق.

تعلّمنا التعالي على التعب، وسحق الألم في الركبة والشد العضلي في الساق، والصراخ المشع من الكتف والرأس التي ناطحت رأس الخصم أو الصديق، فسال دمها وخضّب العشب، وبعدها عاد اللاعب معصوب الرأس بهمة لا تلين.

تعلّمنا الغضب النبيل، وفي الغضب بعض التنفيس عن الاحتقانات المزمنة التي ربما لا تكون بسبب هدف مباغت في أول المباراة، بل لأنّ الحياة خارج المستطيل الأخضر سدّدت لقلبك هدفاً أخطأ الفؤاد وارتطم بالعارضة.

تعلّمنا التسامح. اللاعب، قبل هنيهة، جاء بأقسى ما لديه من عواصف وأطاح خصمه وأرداه أرضاً، لكنه في اللحظة ذاتها يمدّ له يداً كي ينهض مرة أخرى على قدميه، ثم يتبادلان الابتسام والاعتذار وكأنّ شيئاً لم يكن. وربما يكون اللاعب المصاب هو زميل اللاعب الذي أصابه في المنتخب الوطني لبلدهما، لكنّ الأمر مختلف في الملعب. نحن الآن خصمان، يا صديقي.

ورغم لهيب المباراة والاحتكاكات والإنذارات ولوعة الخسارة، فإنّ الجميع يصافح الجميع بعد صافرة النهاية، ويتبادل بعضهم القمصان. لقد خسرنا مباراة، لكننا لم نخسر المعركة.

وارتباطاً بما سلف، فإنّ كرة القدم تعلّمنا النزاهة والوفاء، كان اللاعب في الفريق الخصم قبل هذه الموقعة، وكان يحب ناديه ويفديه، لكنّه الآن في نادٍ آخر ويحمل قميصاً مختلفاً، وعليه الولاء لشعار النادي الجديد، وأن يسدّد، إن أمكنه، بلا هوادة، في شباك فريقه القديم. أنا ابن هذه اللحظة، بكل مخزونها العاطفي، يقول ضمير اللاعب.

تعلّمنا الشجاعة والإقدام، وتزيد هرمونات السعادة في أجسادنا، وبخاصة هرمون «الدوبامين» الذي يتحقق من خلال التحدي وعدم الخوف والاقتحام، حتى لو تسبب ذلك بإعاقة مؤقتة تبعد اللاعب عن المستطيل الأخضر. المهم ألا يتمكن الخصم من المرور السهل بكرته نحو شباك الحارس.

تعلّمنا الفرح النادر الذي لا يتحقق في الأفلام والروايات المكتوبة ولا حتى في المسرح، لأنّ ما يتجلى على أرض الملعب هو فرح نادر، كرغيف خرج للتوّ من النار، فرح يتقافز، يُلهم، ويؤلم الخصم، لا سيما إذا جاء في اللحظة القاضية.

تعلمنا الطاعة والانضباط واحترام القانون، حتى لو لم نكن مقتنعين بالقرارات. الحَكَم سيد الملعب، ولا أحد يتطاول على هذه السيادة، ومن يفعل فإنّ عقوبات شديدة في انتظاره، سواء كان لاعباً أو مدرباً. والحكم إنسان يفعل كلَّ ما في وسعه كي يكون نزيهاً، وحسبه ذلك أن يُطاع ويُصدع لأمره، وهذا سلوك لا يرقى إلى المستبد العادل، وإنما إلى الديمقراطي الحازم الرشيد.

كثيرة هي الدروس التي تعلّمنا إياها كرة القدم، ولعل أهمها ما أشار إليه حائز جائزة نوبل عام 1957 الأديب الفرنسي ألبير كامو، الذي كان حارس مرمى جامعة وهران بالجزائر، إذ روى كيف أنّ كرة القدم علّمته التأمل. وقد مارس اللعبة نجيب محفوظ لعشر سنوات، ولعب في قلب الدفاع، وكان يجيد التسديد بقدمه اليسرى.

طوبى للساحرة المستديرة التي تُخاض من أجلها «أشرف الحروب».

*أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية بدبي

 

طباعة Email