عدالة اللقاح والتميّز الأخلاقي

أنظار العالم هذه الآونة متجهة صوب هذه العلب المبرّدة التي تنقل ما يتمنى العالم أن يكون إحدى طرق الخلاص. الخلاص من الوباء يكمن إما في علاج فعال أو لقاح ناجح أو كليهما، لكنه لا يكتمل دون عدالة التوزيع والتلقيح. وإذا كان الوباء أبدى عدلاً ملحوظاً في الانتشار، فإن الآمال معلقة على اللقاح ليكون على القدر نفسه أو قريباً منه في العدالة.

لكن العدالة لا تتحقق بالإجبار أو العقاب، لا سيما حين يتعلق الأمر بوازع نفسي وأخلاقي وليس بثواب وعقاب. ولأن الغالبية المطلقة من المنظمات والهيئات الأممية لا تملك حق المنع والمنح والعقاب والثواب، فإن مناشدات منظمة الصحة العالمية بمراعاة مبادئ الإنسانية والمساواة في سبل الحصول على اللقاح، وعدم تكالب الدول الغنية وعقد اتفاقات ثنائية مع الشركات المصنّعة للقاح بعيداً عن مبادرة «كوفاكس» تبقى حبراً على ورق، وقيد المنظومة القيمية لكل دولة. «كوفاكس» هي المبادرة التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية لضمان توفير لقاحات ضد «كوفيد19».

التفكير العقلاني والواقعي يحتّم علينا أن نسلّم بأن البشر ليسوا ملائكة، وأن الأولويات في أزمنة الكوارث والأزمات تدفع البعض أحياناً للابتعاد، ولو قليلاً عن الفروض الأخلاقية الحازمة والصارمة. كما يحتم علينا أن نفهم أن الخيارات حين تكون معدومة أو بالغة المحدودية فإنها تضعنا في خانة «اليك».

لكن ليست كل الخانات كبعضها البعض. فهناك من يضع ناسه وأهله في المقدمة، لكنه يفسح جانباً من المقدمة كذلك لآخرين أضعف أو أفقر أو أقل حظاً، وهؤلاء هم العظماء.

من منا لم ينتابه الرعب حين قال مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غبريسوس قبل أيام أن العالم مقبل على فشل أخلاقي كارثي، وأن أسلوب «أنا أولاً» لا يعرض الأكثر فقراً وضعفاً في العالم للخطر وحدهم، لكنه يعرّض البشرية جمعاء للخطر نفسه، ما يؤدي إلى إطالة أمد الوباء؟!

المنظمات والجمعيات والهيئات لا تملك إلا الحث والتحذير والتحفيز والنصح. ومناشدة الدول والشركات المصنّعة والمنتجة للقاحات، بأن تكون أكثر إنصافاً في تشارك الجرعات، وربما ضغوط سياسية خلف الأبواب المغلقة، هي كل المتاح حتى اللحظة.

وحتى اللحظة، تفيد المعلومات بأن الإمارات تحتل المرتبة الأولى عالمياً في توزيع الجرعات، والخامسة من حيث توافر جرعات اللقاح. ما يزيد على مليوني جرعة بمعدل 20.88 جرعة لكل مئة شخص من المواطنين والمقيمين يجعل الإمارات نموذجاً عملياً للعدالة المنشودة. وقبلها عرفنا أن الإمارات جعلت من محطة «سكاي سنترال» مركزاً لتخزين وتوزيع اللقاح عالمياً، لا سيما وأنه مجهّز لتخزين الأدوية والتحكّم في درجة حراراتها.

وفي مصر، يٌتَوقع أن تبدأ حملات التلقيح خلال أيام قليلة، والأولوية للطواقم الطبية والمتقدمين في العمر وأصحاب الأمراض المزمنة. كما بدأت حملات من قبل مؤسسات تنموية ورجال أعمال للتبرّع لصندوق «تحيا مصر» لتيسير عملية الحصول على اللقاح لملايين المصريين، وذلك في حملة تحمل شعار «نتشارك من أجل الإنسانية».

والحقيقة أن هذا ليس مجرد شعار حملة، لكنه عنوان مرحلة صعبة واختبار أصعب يخوضها الكوكب كله. المرحلة صعبة لأننا نعيش كابوس الوباء الذي ما لبث العالم أن يشم أنفاسه من الموجة الأولى، حتى عاود الفيروس هجومه واجتهد ليتحوّر ويحير. هذا الكابوس يضع الكوكب كذلك في اختبارات عدة عنوانها الإنسانية. من يقتل من أكثر: الفيروس أم أنانية دول؟ ومن يملي شروطه على من بشكل أكثر حدة؟ الشركات المصنّعة للدواء أم دساتير الدول القائمة على الحق والخير والعدالة؟ وأي تحالف يتفوق من حيث القوة والبأس: تحالف الفيروس والإصابة والمرض لـ«كوفيد19» أم تحالف «كوفاكس -180» (180 دولة انضمت إلى مبادرة كوفاكس).

غاية القول إن عالمنا ليس مثالياً. لكن هذا لا يعني أننا لا ننعم بنماذج رائعة تتحلى بجرأة التمسك بقواعد الإنسانية وتتبع مسارات منزهة عن السياسة ومرجّحة كفة الشعوب سواء المواطنين أو المقيمين.

*كاتبة صحافية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات