لو كنتُ مكانكَ لهدأتَ

«أنت ما زلت تفترض، وهو أمر ملحوظ، أن حياتك كلها لا تزال أمامك، أن هناك أموراً كثيرة قد تفعلها، أن لديك مستقبلاً ومصيراً، لكن بالنسبة لي، وأعتقد أنني قلت لك هذا، واعذرني حينما أكرره، كل ما لديك هو العدم ولا شيء سواه».

كانت عجوزاً في الثالثة والتسعين من عمرها، وكان صبياً في الرابعة عشرة من عمره، حاول أن يسطو على العجوز، لكن حظه العاثر أوقعه في شر أعماله، فقبل أن تكتمل عملية السطو، تنجح العجوز التسعينية في خداع الفتى الصغير، وإيهامه بأنها تحتفظ بأموالها في خزانة الحمام الملتصق بالمطبخ، وما أن يدلف الصبي إلى الحمام حتى تقوم بإغلاق الباب عليه بالمفتاح وحبسه داخله. وعلى مدى أربعة أيام، هي زمن أحداث رواية «أخف من الهواء» للكاتب الأرجنتيني فيديريكو جانمير، يجري حوارٌ لا نسمع منه سوى صوت طرف واحد، هو المدرّسة المتقاعدة التي تعيش بمفردها في شقة بالطابق الأخير من مبنى لا يعيش فيه أحد أسفلها منذ سنوات طويلة. كانت تعاني من الوحدة، وربما وجدت في الصبي الذي ساقه القدر كي يغدو سجينها، فرصة لتفريغ كل الحكايات التي احتفظت بها سنوات طويلة، لم تعرف خلالها سوى الألم والوحدة.

«لو كنتُ مكانكَ لهدأتَ وتركتَ العجوز تحكي ما ترغب، إن لم يحدث هذا فستطول الأمور». هكذا خاطبت العجوز الصبي مهددة.

«ثلاثة وتسعون عاماً، وعلى مشارف أربعة وتسعين عاماً، عمر طويل.. أليس كذلك؟ الأمر يعطي هذا الانطباع. لن أنكره، لكن العمر في الحقيقة يمر سريعاً، فأي امرأة بمجرد أن تدرك أنها حية تجد فجأة أن ساعتها قد حانت. معك حق إن لم تصدقني، لكن على الرغم من هذا، فلأخبرك مجدداً أن الزمن يطير، يمر خطفاً، كما في الأمثال، قبل أن تدرك المرأة ما قد كان. وقد يبدو لأي امرأة أن كل شيء قد حدث أمس أو ربما قبله بقليل». واضح أن بطلة رواية جانمير التسعينية تختلف عن شاعرنا زهير بن أبي سلمى، الذي سئم تكاليف الحياة بعد أن عاش ثمانين حولاً فقط، وتعجّب كيف لا يسأم من يعيش هذا العمر الطويل كما يرى.

في حوار «فايلا»، كما رأت من الأفضل أن يناديها بدلاً من اسمها الحقيقي، مع «سانتي»، كما أحبت أن تناديه بدلاً من سانتياغو، يدور الحديث، من خلال صوت فايلا الوحيد الذي نسمعه في الرواية، عن الزمن وكيف نشعر به في كل مرحلة من مراحل حياتنا، وذلك من خلال تجربة العجوز التي جاوز عمرها التسعين. عمر يتمنى أن يعيشه الكثير من البشر لولا أن الأعمار ليست بأيديهم، وإنما بيد الخالق الذي جعل لكل إنسان أجلاً لا يعرف متى يأتي.

مجموعة من الحكايات روتها العجوز التسعينية للفتى الصغير المحتجز في حمام بيتها، أطفأت بها ظمأها للكلام وكشف الأسرار. مارست معه دور المعلمة الذي ابتعد عنها منذ سنوات، ونصحته بالصبر. «هكذا تبدو الأمور أفضل، أن تأخذها بصبر. الصبر هو رأس كل الفضائل. ما فائدة القلق أو الإحباط؟ هما والعدم سواء. أقسم لك على هذا أيضاً؛ أعرف ماهية كل منهما: الصبر والإحباط.. هكذا أفضل».

الزمن ووتيرة مروره في حياة البشر يبقيان هما القضية الأهم في هذه الحكاية وكل الحكايات التي نقرؤها. بل لعله الأهم في حياتنا نحن القراء، وليس حياة أبطال الروايات الذين نتعايش معهم. صغاراً يبدو لنا مرور الزمن بطيئاً ورتيباً. نتمنى لو نتجاوز مرحلة الطفولة بأقصى سرعة ممكنة كي نشارك الكبار حياتهم. في الواقع نحن لا نشارك الكبار حياتهم عندما نكبر ولكن نأخذ أدوارهم. يتحول الكبار في نظرنا إلى مسنين على طريقة بطلة رواية جانمير الثرثارة التي تقمع سانتي وتمنعه من الكلام، لمجرد أن لديها السلطة، ومن لديه السلطة هو من يستطيع الكلام ويدير دفة الحوار، كما يقول مؤلف الرواية في أحد الحوارات الصحفية.

الباب المغلق على الضحية هنا كناية عن انعدام التواصل بين الأجيال، كما يقول بابلو دي سانتيس، أحد مُحكّمي جائزة «كلارين» التي حصدتها الرواية عام 2009. أما الراوية هنا فتتقمص شخصية شهرزاد، لكنها شهرزاد تسعينية كابوسية، تحكي من خلف باب موصد لشهريار مراهق كي لا تموت من الشعور بالوحدة.

لو كنت مكانك يا سانتي لهدأت وتركت العجوز تحكي، فقد كانت النهاية أقسى مما تصوّرت.

* كاتب وإعلامي إماراتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات