العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    «الذكاء الجديد» في العمل

    كانت الشركات والمؤسسات الكبرى والمصانع، قبل عقود، تستخدم اختبارات قبول الموظفين الجدد، التي تستند إلى مؤشر الذكاء العقلي IQ باعتباره محاولة لتمييز المرشحين اللامعين لوظيفة ما عن غيرهم. غير أن واقع الحال قد تغيّر. حيث تبيّن أن ارتفاع معدل الذكاء العقلي لا يضمن بالضرورة قوة أداء صاحبه، ذلك أن الذكاء الوجداني يتفوّق عليه في حالات عديدة. ويقصد بالذكاء الوجداني المقدرة على فهم الانفعالات وسرعة تحليلها وتقييمها، لتدارك الموقف سواء كان مرتبطاً بالفرد نفسه أو بآخرين. بعبارة أخرى هو ذلك المسؤول الذي يتحلى بالمعاملة الحسنة والرزانة مع الموظفين بشتى اختلاف عواطفهم وأمزجتهم. أما الاسم العلمي لهذا الذكاء فهو Emotional Intelligence.

    وقد حاول أحد أعلام هذا العلم د. دانيال غولمان فهم الدور الحقيقي للذكاء الوجداني في العمل. فأجرى دراسة على 181 وظيفة في نحو 120 شركة بشتى أنحاء العالم، مستعيناً بنموذج المهارة competency model لقياس «المهارات المهمة للنجاح بالعمل». ثم قسّمت المهارات إلى معرفية، وفنية، ومهارة وجدانية (إنسانية)، فظهر أن 76% من العوامل التي تعد مهمة للنجاح في العمل، هي مهارات وجدانية، حيث بلغت أهميتها ضعفي المهارات العقلية والفنية حسبما ذكر د. عثمان الخضر في كتابه «الذكاء الوجداني». وأشار إلى دراسة أخرى أجراها الباحث ريتشارد بوياتزس عام 1999 على ألفي مدير إدارة وسطى ومديرين تنفيذيين ومشرفين في 12 منظمة، أظهرت أن هناك 16 قدرة يمكن أن تميّز بين الأداء المتميز لهؤلاء، وكان بينها 14 من المهارات الوجدانية. وفي عالم الإدارة، صار العلماء يلاحظون أن هذا الذكاء ينعكس إيجاباً على أداء القياديين؛ لأنه يقع في صلب سلوكيات القائد المؤثر الذي يحاول أن يحسن تقدير الموقف، ومراعاة انفعالات، من حوله قبل أن يتسرّع بالحكم. ونلاحظ كيف تسود أجواء التخبّط، حينما يفقد أحد المسؤولين حسن تقديره للموقف، ويتسرّع بإصدار قرارات صادمة لكل من حوله فيزيد الطين بلة.

    ولوحظ أيضاً أن أثر غياب الذكاء الوجداني، قد يؤدي إلى الاستقالة من العمل! ففي دراسة أعدها الباحث دانيال غولمان والباحثان ليزلي وفلسور عن أكثر أسباب التسريح من العمل أو الإرغام على الاستقالة أو التجميد، برزت لهم سبعة أسباب رئيسية منها «ضعف المهارات الاجتماعية، والتعامل الفظ مع الآخرين، والفشل في بناء شبكة متعاونة ومتعاضدة بين الموظفين، بالإضافة إلى ما يسمى التصلب (أي عدم القدرة على التكيّف مع التغيير والاستجابة لمطالب الآخرين وضعف التواصل)، وهي كلها مهارات وجدانية بحتة. والمفارقة أن من زُفَّ إليهم نبأ تسريحهم من العمل «كان لديه ذكاء عالٍ وخبرة ومهارة تكنولوجية مميزة».

    مشكلتنا في بيئات العمل أنها، بطبيعة الحال، يصعب أن تستند إلى عامل واحد لتقييم الإنسان قبل انضمامه إليها. ولهذا يتفهم المرشحون للوظيفة أننا نقيسهم بطرق عديدة على أقل تقدير لتخفيض مخاطر القرار. وربما هذا ما دفع عالم «بان» لمعرفة مدى صدق اختبارات الذكاء في التنبؤ بمهارات المديرين والطبقة التنفيذية. فكشف لنا عن أن المديرين بصورة عام أكثر ذكاءً عقلياً من متوسط ذكاء عموم الموظفين، ولكنهم كأفراد ليسوا الأكثر ذكاء، ما يشير إلى أن الذكاء العقلي يرسم الحدود الدنيا فقط للنجاح المهني بالوظيفة. واختبارات الذكاء لا تتنبأ بأكثر من 20% من عوامل النجاح في العمل في حين يسهم الذكاء الوجداني بحوالي 40%.

    خلاصة القول، إن التفاخر بعبقرية الذكاء العقلي ليس ميدانه العمل، فالعمل أكثر تعقيداً من الاستناد إلى رقم. فكم من ذكي ذهنياً لكنه في معايير التعامل مع الناس، يعد مشروع أزمة في كل حوار وكل قرار؛ لأنه لا يحسن تقدير الموقف وانفعالاته ومشاعر من حوله وفي نفسه. ولهذا يتبقى أمامنا خيار أكثر رجاحة وهو الذكاء الوجداني الذي لا يعدو كونه مؤشراً بسيطاً على أداء الإنسان الذي ما زال سلوكه يتغير بصورة مذهلة في بيئة العمل، خصوصاً في عصرنا المتسارع في حجم معلوماته ومتطلباته وتغيّراته المذهلة.

    * كاتب كويتي

    طباعة Email