لينكولن وبايدن والفيدرالية الأمريكية

تتعرض الولايات المتحدة لامتحان صعب، ربما لم تتعرض له منذ انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، حيث أدت الخلافات والصراعات وقتها بين الولايات الشمالية التي ترفض العبودية، وولايات جنوبية تقبل بقوانين العبودية إلى اندلاع الحرب بين الشمال والجنوب، والتي حصدت أكثر من 620 ألف قتيل وتدمير غالبية المدن الكبيرة في الجنوب. ورغم اندلاع الحرب الأهلية، إلا أن وجود شخصية معتدلة مثل أبراهام لينكولن أدى في النهاية للحفاظ على الوحدة الفيدرالية للولايات المتحدة، لكن هل يوجد في واشنطن اليوم من يستطيع إعادة الوحدة والاستقرار، أم أن الولايات المتحدة قد تشهد موجة جديدة من الحرب الأهلية التي قد تقود لانسلاخ وانفصال ولايات عن الاتحاد الفيدرالي؟

أكثر ما يحتاجه الرئيس المنتخب جو بايدن هو «السمو السياسي» على الخلافات التي كانت طوال عهد ترامب، وبدء مرحلة جديدة تجمع الديمقراطيين والجمهوريين على الحد الأدنى من الأجندة الوطنية للحفاظ على وحدة وصورة الولايات المتحدة، لأنّ درجة الانقسام والتشظي التي يعانيها المجتمع الأمريكي غير مسبوقة، ولا تختلف عن الاستقطاب الحاد الذي شهده عهد أبراهام لينكولن، وأدى لاندلاع الحرب الأهلية، فهناك ولايات ديمقراطية مثل ولاية كاليفورنيا طالبت باحترام «خصوصية كاليفورنيا» إذا فاز ترامب في الانتخابات، وبعد فوز بايدن تحدث حاكم تكساس الجمهوري، عن ضرورة وجود اتحاد للولايات التي تحترم الدستور.

وكان يشير للولايات الجمهورية بعد رفض المحكمة العليا الطعن في نتائج الولايات المتأرجحة، وهذا مؤشر خطير للغاية إلى تأثير النزعات الشخصية والأيديولوجية والحزبية في مستقبل الفيدرالية الأمريكية، وخير دليل على جدية هذا الطرح أن ثلاث ولايات هي ولايات كاليفورنيا وواشنطن وأوريجون، وجميعهم على الساحل الغربي الأمريكي أسسوا اتحاداً خاصاً بهم في يوليو الماضي للتعامل بشكل منفرد وبعيد عن القرارات الفيدرالية والبيت الأبيض في ما يتعلق بجائحة كورونا، كما شهد النصف الثاني من عام 2020 قيام 43 ولاية أمريكية من الولايات الخمسين بتطبيق إجراءاتها الخاصة في ما يتعلق بكوفيد 19 بعيداً عن السلطات الفيدرالية.

أمام هذا الخطر الوجودي للفيدرالية الأمريكية على الرئيس المنتخب، دور كبير في رأب الصدع والنظر للأمام لأنّ هناك بالفعل 76 مليون ناخب صوتوا لترامب، وحتى في إجراءات العزل داخل مجلس النواب صوت 197 نائباً ضد المحاكمة البرلمانية، وانضم فقط 10 جمهوريين لنداء نانسي بيلوسي بمحاكمة ترامب، وهو ما يؤكد الخلافات العميقة بين الحزبين، وكما كان لينكولن الجمهوري يعارض تطرف الجمهوريين ضد الولايات الجنوبية، فإنّ الرئيس المنتخب يستطيع أن يوحد الأمريكيين ويعزل المتطرفين من الحزبين.

طباعة Email