الإنسان وعالم القيم

قام البشر بصناعة القيم تأسيساً على مبدأ الاعتراف بالآخر والحفاظ عليه واحترام حقه. وما كانوا ليصنعوا ذلك لولا خبرتهم العملية بالنزعة العدوانية القارة في النفس البشرية، والتي دفعت عالم التحليل النفسي سيغموند فرويد للحديث عن غريزة العدوان وغريزة الحب بوصفهما غريزيتن فطريتين.

لقد انفصلت القيم، وصارت عالماً مستقلاً عن البشر، عالماً آمراً، وصار الآمر الأخلاقي سلطة إلزام.

وصار مدح الشخص ليس سوى مدح القيم التي هو عليها. وهذا يعني مدح القيم وليس مدح الشخص، وبالمقابل فإن هجاء وذم الشخص ليس سوى هجاء وذم خرق القيم.

وصاغوا دفعاً لأي لبس جدولين متناقضين: جدول للقيم الإيجابية وجدول للقيم السلبية، وتحددت معايير الحكم على سلوك الأفراد وفق هذين الجدولين ونشأت الثنائيات القيمية: كرم- بخل، حب- كره، تسامح- حقد، صدق- كذب، وفاء- خيانة، وهكذا..

ولما كانت المؤسسة الاجتماعية لا تستطيع بسلطتها المعنوية أن تحمل الناس على ممارسة القيم الإيجابية ومنعهم من ارتكاب نقائضها، أسست الدولة دائرة الحفاظ على الحق، وسنّت عقوبات الاعتداء على الحق.

وهكذا صار لدينا سلطتان قامعتان للاعتداء على الآخر: سلطة معنوية هي المجتمع وعقوباتها معنوية، وسلطة مادية هي مؤسسة الدولة المرتبطة بالحق وعقوباتها مادية تبدأ من الغرامة، مروراً بالسجن، وانتهاءً بعقوبة الإعدام التي ألغتها دول كثيرة.

ولكي يعزز الإنسان من قوة القيم الإيجابية وشرف الالتزام بها، وذم القيم السلبية ووضاعة من يسلكها، قدّم مفهومين صارمين جداً، وهما مفهوم الخير والشر.

فالخير ما يعود بالخير على الآخر، والشر ما يعود بالشر على الآخر أيضاً. فالسرقة شر لأنها تسلب حق آخر، والاغتصاب شر لأنه يعتدي على جسد الآخر، والوفاء خير لأنه احترام لعطاء الآخر.

وبالرغم من قدم هاتين السلطتين واستمرارهما، فإن التزام الإنسان بعالم القيم الإيجابية لم يمنعه من خرقها. إنه يخرقها وهو يعلم العقوبة التي تترتب عليها فيما لو انكشف أمره، سواء كانت العقوبة المعنوية أو العقوبة المادية.

ويبقى السؤال قائماً: ما الذي يحمل الإنسان على الاعتداء على الآخر، حتى ولو لم يكن له مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في هذا الاعتداء؟

أعتقد شبه جازم بأن هناك ثلاثة أنواع من الضعف تحمل الإنسان على الاعتداء، أو قل تضعف موقفه من الآخر، هذا إذا سلمنا مع سيغموند فرويد بأن غريزة التدمير غريزة أصلية في البنية النفسية- البيولوجية للإنسان.

أولاً، ضعف ثقافة الاعتراف بالآخر، وضعف ثقافة الاعتراف بالآخر مردها إلى غياب الشخص-الفرد في ثقافة تقوم على مبدأ القطيع. والثقافة تتكون عبر تاريخ طويل. ولهذا نجد بأن الوازع الديني الذي من شأنه أن يمنع الإنسان من الاعتداء على حق الآخر، لا يفعل فعله في ثقافة لا تعترف بالفرد.

ثانياً: عدم انتصار فكرة الالتزام بالواجب الوضعي المعبّر عنه بالقانون، ففي الدول التي تخضع لخرق القانون من قبل المسؤولين عن صياغة القانون وتنفيذه وصونه، فإنها تعمّ أخلاق خرق الواجب، ويصبح الخرق هذا من طبيعة الأمور.

ثالثاً: إن عالم الصراعات السياسية، والصراعات الأيديولوجية الدينية والدنيوية، يعزز من قدرة البشر على الاعتداء على الآخر المختلف. وهذا الاعتداء ثمرة عدم الاعتراف بالحق.

غير أن النظم الديكتاتورية المتخلفة هي أكثر العوامل التي تصنع الأرضية الضرورية لخرق القيم والاعتداء على الآخر.

فجمهور المتمجّدين الذين عملوا ويعملون في خدمة السلطان تنمو لديهم غريزة التدمير دون وازع إطلاقاً. وآية ذلك بأن هؤلاء المتمجدين، بالمعنى الذي أشار إليه عبد الرحمن الكواكبي، ينطلقون من مبدأ: ليس بهدم الكفر من ذنب. فإذا كان الديكتاتور شر مطلق، وإذا كان العاملين مع الديكتاتور عاملين عند الشر المطلق، إذاً فكل شيء مباح، لا سيما أنهم لا يخشون الرادع الأخلاقي الاجتماعي، ولا يخافون من الرادع القانوني. إنهم بتحطيم عالم القيم يعممون أحط أشكال القيم السلبية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات