2021 عام الأمل (1)

وبدأ عام جديد كنا نظن أنه لن يأتي. بدأ عام نتمنى أن يكون فيه مقدار أكبر من السلامة والصحة والاطمئنان، وقدر أقل من الجزع والقلق والتوتر. نحاول أن نلتقط الأنفاس لننظر سريعاً وراءنا إلى العام الذي أنهكنا وقلب موازين الأمور رأساً على عقب وجعل الثوابت عوارض والطوارئ أسلوب حياة. حتى رفاهية التحليل والتقييم لا نملكهما. فلا نحن على علم كامل بما جرى، ولا نحن قادرون على الفهم اللازم للتقييم. منظمة الصحة العالمية تلهث منذ بداية العام المنصرم في محاولة لفك لوغاريتمات الوباء وأصله وفصله، ثم تركض لتتقصى أنماط الإصابة وأنواع الأعراض. وتجد نفسها مضطرة للإدلاء بتصريحات عن طبيعة الوباء، ثم يتضح أن ما تم الإعلان عنه في حالة تطور مستمر، فتعود أدراجها من أجل مزيد من التقصي، وتخبرنا بإجراءات علينا اتباعها لكن الأوضاع تتطور فيتم تغيير الإجراءات. وينام العالم على أمل أن يكون التوصل إلى لقاح هو طوق النجاة المنشود، ثم يستيقظ ليجد أن اللقاح أتى ولكن بإخبارية طبية تشير إلى أن اللقاح وحده لا يكفي للقضاء على الفيروس اللعين. وزاد طين السلالة الجديدة بلة السلالة الأصلية للفيروس التي ما زالت الحيرة تكتنف أساسيات التعامل معها.

ورغم ذلك، يتمسك سكان الكوكب بتلابيب الأمل. وروعة الأمل هذه المرة تكمن في أمميته ومعناه. لعلها المرة الأولى التي يجتمع فيها نحو 7.8 مليارات رجل وامرأة وطفل وطفلة على أمل واحد، ألا وهو غد أفضل وأكثر أمناً واطمئناناً. أحاديث الأصدقاء والمعارف، وتدوينات مواقع التواصل الاجتماعي، والجو العام ينبئنا جميعها أن آمال الوظيفة الأفضل والراتب الأعلى والعروس الأحلى والعريس الأغنى والبيت الأرحب والسيارة الأفخم لم تعد مهيمنة. الجميع يتحدث عن الصحة والستر من القلب، وليس على سبيل فض المجالس. الجميع يتحدث عن سبل التعامل مع تفاصيل الحياة في 2021 بشكل فيه الكثير من العلم. فالتخطيط لم يعد رفاهية، والحرص لم يعد اختياراً، وإعادة ترتيب الأولويات لم تعد قابلة للتأجيل.

بالطبع يبقى بيننا في العام الجديد من يغمض عينيه ويترك نفسه للظروف والأحوال والتغيرات والتقلبات ظناً منه أنه بذلك يستسلم للقدر. وإذا كان القدر حادثاً لا محالة، فإن التخطيط والتدبير واجبان حتميان. وللنظر إلى السياسة التي اتبعتها دولة مثل الإمارات مع الوباء منذ العلم بشأنه. التدخل السريع والتخطيط العاجل وسن السياسات المنطقية واتخاذ الإجراءات الواقعية والحاسمة، وضعتها على رأس الدول التي تفردت بتعامل ممتاز مع جائحة أربكت الجميع، وهو ما يغذي ثقافة الأمل المبني على العلم والمنطق.

الجانب الآخر الرائع من الأمل الذي وحّد شعوب الأرض على تمني الرضا والستر بلغات مختلفة هو معنى الأمل الذي يصاحب عام 2021. إنه أمل «على بياض»، بمعنى أنه أمل غير مشروط وغير مقيد وغير محدد. فهو لا يشترط حداً أدنى لمتطلبات الحياة، ولا تقيده خصوصية ثقافية أو سمات أنثروبولوجية أو حدود جغرافية أو عوامل تاريخية. إنه أمل مطلق.

وانطلاقاً من المؤشرات التي أخبرنا بها عام 2020، فإن العام الجديد سيشهد عودة إلى الانتعاشات والانطلاقات وبزوغ نجوم وخفوت أخرى. لكن كله سيكون جديداً في جديد. ستزدهر أنظمة اقتصادية وتخفت أخرى، وستثبت دول أنها أقوى من غيرها، وستتغير قواعد الأنظمة الصحية لاسيما في ضوء هشاشة العديد من الأنظمة التي كان الجميع يظن أنها الأقوى والأعتى، واتضح العكس تماماً بعد أيام من صدمة الجائحة. وسيتم تأسيس معايير جديدة لقياس التطور والتقدم والتحضر بناء على معطيات تتناسب والعصر الرقمي بامتياز.

وسيشهد العام الجديد 2021 كذلك حاجة ماسة للتعامل مع الأعراض الجانبية لـ«كوفيد 19». هذه أعراض تختلف عن أعراض الفيروس نفسه. فقد ضرب الفيروس البشرية في غير موضع وموقع. والمسألة لا تقتصر على جوانب الصحة والاقتصاد فقط، بل تمتد إلى ما هو أصعب من ذلك. إنها الآثار النفسية والعصبية للجائحة والتي طالت الجميع، من أصيب بالفيروس ومن لم يصب.

كما يشهد 2021 دق نواقيس أخطار اجتماعية كثيرة، وذلك في ضوء الهوات الاقتصادية والاجتماعية بين الدول وبعضها، وبين الطبقات والفئات وبعضها البعض في داخل الدولة الواحدة، وهي الفجوات التي أمعن عام الجائحة في تعميقها.

عام 2020 ليس كأي عام مضى، وعام 2021 ليس كأي عام أتى. حالة الترقب التي يرمق بها العالم العام الجديد غير مسبوقة. والترقب الناجم عن عام الجائحة يعني أن الغالبية أدركت أن الإنسان مهما بلغ من قوة وسلطة وعلم وهيمنة وثقة، يبقى ضعيفاً. وهو درس عظيم.

بترقب وأمل ورجاء يستهل الكوكب عام 2021. يسميه البعض عام الجائحة «2». لكننا نسميه عام الأمل «1».

* كاتبة صحافية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات