إدارة سياسة الدولة من اختصاصات الحاكم

زجَّت التيارات المتطرفة بالشباب في أتون أطماعها الملتهبة للاستيلاء على أنظمة الحكم في الدول، وغرَّرتهم بالشعارات البراقة، وأسقطت من أعينهم احترام دولهم وقادتهم، وبثت في نفوسهم ثقافة التمرّد على الحكام، وشيطنة قراراتهم وسياساتهم، وأفسدت أخلاقياتهم، حتى أصبحوا متهورين طائشين، يفتقدون إلى أدنى مراتب التواضع والأناة والحكمة، يخوضون بكل استخفاف وجهل في المسائل العظام المتعلقة بقرارات الدول وسياساتها العليا دون أدنى مسؤولية، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك بقوله: «سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات.. ينطق فيها الرويبضة»، قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلَّم في أمر العامة».

وممن سلك هذا المسلك التنظيم الإخواني منذ نشوئه، فقد عمل على بث ثقافة التمرد في أوساط أتباعه ضد الدول، وتحريضهم على التدخل في شؤونها السياسية، وسعى لتغذية ذلك في خطاباته ومنشوراته للتأثير على الناس، للتشويش على الدول، والتشكيك في سياساتها وقراراتها، زاعمين أنهم الأدرى والأعلم بأمور السياسة، وهم أجهل الناس بها، وواقعهم خير دليل على ذلك.

ولأن هذا النهج هو طريق الفوضى والإخلال بالنظام والاستقرار، فإن الشرع الحنيف ضبط هذا الباب ضبطاً محكماً، وأوكل أمور سياسة الدولة إلى الحاكم، ومن ينوب عنه من مؤسسات وأصحاب قرار، وجعل ذلك من اختصاصات الحاكم الحصرية، ومنع الافتات عليه، وأوجب على الناس طاعته ونصرته وتقديم النصيحة له بالمعروف بالطرق الصحيحة، البعيدة عن التحريض أو التهييج أو المساس بمكانته وهيبته، حفاظاً على استقرار الدولة ونظامها العام والسلم الاجتماعي فيها.

والقرارات الصادرة عن الدول لا تتخذ اعتباطاً، بل يسبق ذلك نظر عميق، واطّلاع دقيق على خفايا الأمور، مما لا يمكن أن يطّلع عليها آحاد الناس، وأما من هم خارج دائرة القرارات فقد ينظرون إلى جانب واحد من القضايا وتخفى عليهم جوانب كثيرة، وقد لا يدركون من حقائق القضايا شيئاً، فيتكلمون بلا علم حقيقي، والعاقل من عرف قدر نفسه، وأعطى القوس باريها. وقد غلت التيارات المتطرفة في الشأن السياسي، حتى أوجب بعضها الخوض في السياسة على كل مسلم، وجعل ذلك من فرائض الدين، وروَّج لمصطلحات تخدم ذلك مثل مصطلح سلطة الأمة، وتفسير ذلك تفسيرات سلبية، وتحريف مفهوم الشورى وأهل الحل والعقد لينسجم مع ذلك، وبقدر ما نوقشت هذه التيارات من قبل مفكرين ومثقفين فإن مثل هذه القضايا والأطروحات لم تناقش بالشكل الكافي، ولعل من أسباب ذلك أن هذه الأطروحات نفسها مستحكمة في كثير من الأروقة الثقافية.

وممن روّج لمثل هذا الطرح حسن البنا -مؤسس تنظيم الإخوان- متأثراً في ذلك بجمال الدين الأفغاني، ومن جاء بعده كرشيد رضا، فقال البنا: «وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها، وأوصى بأن يكون كل مسلم مشرفاً تمام الإشراف على تصرفات حكومته»! إن مثل هذا الكلام أقرب إلى الخيال، وهو تكليف للناس بما لا يطيقون، وإلزام لهم بما لم يلزمهم الشرع، وإشغال لهم عن المسؤوليات المنوطة بهم، وهو تشريع للفوضى والإخلال بالنظام، فإذا كان كل فرد له حق التمرّد على تصرفات حكوماته بدعوى أن رأيه هو الأكمل والأفضل، فأنَّى لدولة في الأرض أن تقوم؟! وأنّى لحكومة أن تمارس عملها؟!

ومن عجائب الاستدلال عند حسن البنا والذي يدل على افتقاره لأدوات الفهم الصحيح لنصوص الشرع قوله: «ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقرير سلطة الأمة: «الدين النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم»، ففسَّر إسداء النصح للحاكم والذي من معانيه كما بيَّن العلماء طاعته بالمعروف والوقوف معه ومساندته بأنه سلطة يمارسها آحاد الناس ضد الحاكم، بما تحمله كلمة سلطة من فرض وعزل وغير ذلك، فأين مفهوم النصح وأين مفهوم السلطة؟! ومما تفرّع على مثل هذه المصطلحات طعن كثير من أفراد التنظيم الإخواني في معاوية رضي الله عنه، واتهامه بأنه افتات على سلطة الأمة، وأضاع حقها في اختيار رئيسها، في كلام كثير مبثوث في كتب هؤلاء وخطاباتهم.

إن إدارة سياسات الدول من اختصاصات الحكام شرعاً وعقلاً، والمؤسسات والكوادر التي تمثل الدول، أما باب النصح وإبداء الآراء والمقترحات والتعاون بين الشعوب والحكام فهو باب واسع، وما من فرد يعمل ويبني ويخدم دولته في مجاله إلا لبنة في طريق نهضة دولته وتقدمها واستقرارها وازدهارها.

طباعة Email