اللغة العربية في يومها المَجيد

منذ أن اختار الله تعالى هذا اللسان العربي الشريف، لغةً لكتابه المجيد، غدتِ العربية بهذا الاختيار، محلّ تكريمٍ وتبجيلٍ وتمجيد، وربما مرّت بها ظروفٌ تراجعت مكانتها في نفوس أهلها، لكنّ ذلك عارضٌ طارئ على الأصل الأصيل، الذي تستمدّه هذه اللغة العظيمة، من كونها لغةً لكتاب الله تعالى، ووعاءً للفكر والثقافة التي أثمرتها المسيرة الطويلة للحضارة العربية الإسلامية، فضلاً عن كونها الحافظة لتراث ما قبل الإسلام، والذي تمثّل أصدق تمثيل، في ما وصلنا من الآداب العربية الرفيعة التي ظهرت في عرب الجاهلية الشجعان، الذي صقلهم هذا اللسان الشريف، وأعدّهم لاستقبال رسالة السماء الخاتمة، وهيّأ منهم رجال الحياة القادمين، فانطلقوا ببسالةٍ منقطعة النظير، يحملون مشاعل الهداية والنور، وينشرون تعاليم هذا الكتاب العظيم، وكانت اللغة العربية، هي الحامل لكل هذا المجد الرفيع الجليل، وهو المعنى الفريد الذي عبّر عنه بذكاء وإنصاف، واحد من كبار المستشرقين الغربيين، وهو المستشرق النمساوي غوستاف غرونباوْم، حين قال: «ما مِنْ لغةٍ تستطيعُ أن تُطاول اللغة العربية في شرفها، فهي الوسيلةُ التي اختيرت لتَحْمِلَ رسالة الله النهائية».

في هذا اليوم الزاهر، يحتفل العالم كلّه باليوم العالمي للغة العربية، بعد إقرار هذا اليوم من المنظمات العالمية، اعترافاً منها بالدور الكبير الذي أسهمت من خلاله هذه اللغة بالتقدم الحضاري والثقافي للإنسانية، فقد كانت هي لغة العلم والحضارة في العصر الوسيط، ومن خلال الترجمات العربية للتراث اليوناني في جميع المعارف والعلوم، تعرّف الغرب إلى منجزات أسلافه اليونان، وطوّر نفسه باتجاه التحضر، بعد أن كان غارقاً في ظلمات العصور الوسطى، فضلاً عن كون اللغة العربية الآن، هي لغة أكثر من مئتي مليون عربي ينطقون بها كلغة أمّ، ناهيك عن ملايين المسلمين من الشعوب الأخرى، الذي يُقبلون على تعلّم هذه اللغة الشريفة، لفهم معاني القرآن الكريم، والسنة النبوية، والثقافة العربية الإسلامية.

في هذا السياق من العناية الفائقة والصحيحة باللغة العربية، جاءت مبادرة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، رعاه الله، للحفاظ على مجد هذه اللغة، وإطلاق الطاقات في سبيل التقدم بها على مستوى الوعي والفكر والتدريس، واقتراح المنهجيات المعاصرة، التي تضمن لها مكانتها اللائقة بها بين اللغات، حيث يؤكد سموّه على أنّ الحفاظَ على اللغة العربية، بحاجة إلى مبادرات أكثر من محاضرات، وتأكيداً على عمق التلازم بين القول والفعل، وبين الفكرة والتطبيق، أطلق صاحب السموّ في العام الماضي، وفي ظلال هذه المناسبة الزاهية، منهجاً دراسياً متكاملاً للغة العربية عبر موقع (مدرسة)، الذي يضمّ (1000) فيديو تعليمي لجميع المراحل الدراسية، وهو الموقع الذي استفاد منه ستون مليون طالب خلال عام واحد، لتكون هذه المبادرة المبدعة، هي التجسيد العميق للأفكار التي يحرص صاحب السموّ على التفكير فيها، ثم تطبيقها مباشرة على أرض الواقع، لكيلا ننزلق إلى فاعلية الكلام، دون أن يكون له تحقق على أرض الواقع المَعيش.

أمّا جائزة محمد بن راشد للغة العربية، فهي بشهادة الجميع، أرفع جائزة، وأكبر تقدير لجهود العاملين في مجالات اللغة العربية، على مستوى الأفراد والمؤسسات، وهي منذورة للنهوض باللغة العربية، وتعزيز مكانتها الحضارية بين اللغات، من خلال المشاريع الفاعلة، وليس من خلال الخطب العاطفية، وذلك برعاية المبادرات المتميزة في تطوير تدريس العربية، وتنمية المنهجيات المعاصرة في الوعي بها، والتي تنسجم مع سياسة الجائزة وتعليماتها، فضلاً عن ترسيخ مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة في الحفاظ على هذه اللغة، التي تستحق كل تقدير وعناية وتكريم.

في اليوم العالمي للغة العربية، نستذكر جهود أسلافنا الصادقة في الحفاظ على هذه اللغة الأصيلة، ونعقد العزم على مواصلة الطريق، وحمل لواء الدفاع عن لغة القرآن الكريم، ونجدّد العهد، أن نظلّ الأوفياء للغتنا، التي هي جوهر وجودنا وهويّتنا، ومفتاح الفهم لكتاب ربنا العزيز، ونعزّز مشاعر الفخر والانتماء بين الأجيال الناشئة، لتظل العربية زاهية بأبنائها الأبرار، الذي يحملونها في وجدانهم، وهم يترنمون بقول أمير الشعراء أحمد شوقي، رحمه الله:

إنّ الذي ملأ اللغاتِ محاسناً

               جعل الجمالَ وسِرَّه في الضاد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات