00
إكسبو 2020 دبي اليوم

فلنرفع قبضتنا عن الكوكب

ماذا فعلنا بالكوكب؟ وليس ما الذي فعله الكوكب بنا! أزمة المناخ، تآكل التنوع البيولوجي، تحمض (زيادة حموضة) المحيطات، وقائمة طويلة جداً من المؤشرات التي تؤكد أن ما فعلناه بالكوكب يهدد الأرض وسكانها بمخاطر فادحة.

وحتى سنوات قليلة مضت، كان حديث البيئة وتوازنها -الآخذ في الاختلال والتلوث الرهيب الذي يعم أرجاء البر والبحر والجو، والنشاط الصناعي المحموم، ورداءة استخدام الموارد، والاحتباس الحراري، والهدر الغذائي، والقطع الجائر لأشجار الغابات، وغيرها من الكوارث البشرية- لا يجذب الانتباه أو يستدعي الاهتمام.

وظلت قضايا البيئة واختلالها بفعل الإنسان لسنوات طويلة، تعاني التجاهل وتواجه بالإنكار، بل إن بيننا من ظل -وربما لا يزال- يعتبر البيئة والكوكب، قضايا العالم الأول والدول الكبرى والأغنياء المترفين، الذين لا يجدون ما يشغلون به الوقت أو ينفقون فيه المال.

اليوم وصل الوضع لدرجة أن الكوكب نفسه يستغيث طالباً إنقاذه من الإنسان وتصرفاته الهوجاء. لم يعد الكوكب هو من يشكل الإنسان ويملي عليه ظروف حياته، بل أصبح الإنسان هو من يشكّل الكوكب، لكن من دون تخطيط أو رؤية استراتيجية. وكأن الوضع البيئي الكارثي، والتجاهل والتغاضي عنه لعقود، لم تكن تكفي، جاء وباء «كوفيد 19» ليفاقم من خطورة الوضع، ويخبرنا، بينما نستعد لتوديع عام 2020، بأننا جميعاً مقبلون على مرحلة بالغة الصعوبة وعصر جيولوجي جديد.

العصر الجيولوجي الجديد هو «العصر البشري» أو «الأنثروبوسين». إنه العصر الجيولوجي المفاجأة، الذي أصبحت فيه بصمات الإنسان واضحة في ظاهر الأرض وباطنها. تقرير التنمية البشرية الجديد 2020 والذي يصدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي اتخذ من هذا العصر الجديد موضوعه الرئيسي لهذا العام.

وهو تقرير لا يدق ناقوس خطر واحد، بل حفنة نواقيس. أما الرسالة فواحدة وواضحة: ما لم يفلت البشر قبضتهم المطبقة على الطبيعة، فإن وباء «كورونا» الحالي لن يكون الأخير. وعلى الرغم من التقدم الهائل الذي حققته البشرية، إلا أن البشر اعتبروا ما يجري بحق الأرض أمراً مسلّماً به، وهو ما زعزع استقرار البيئة والأنظمة الطبيعية التي يعتمد عليها الناس في حياتهم.

ويبدو أن الوباء الحالي ليس إلا ترجمة فعلية سريعة لما جرى في الكوكب، وما تعرض له من إجهاد في الإمكانات وإجهاض للموارد، وذلك عبر الاستخدام الخاطئ والانتفاع العشوائي على مدى عقود طويلة. كشف الوباء عوراتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ونجح في أقل من عام في أن يهدد التنمية البشرية كلها بانتكاسات رهيبة.

هذا ليس تهديد غرضه التخويف، لكنه تحذير يأمل إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه. هيمنة الإنسان على الكوكب لم تعد مدعاة للفخر، فالنتيجة كارثية. وحين يقول مدير عام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أخيم شتاينر، أن البشر اليوم، بما أصبحت لهم من سلطات وهيمنة غير مسبوقة على الكوكب، قادرون على تحويل الدفة واستخدام هذه السلطات لإنقاذنا مما نحن مقبلون عليه، فإن الواجب هو الإنصات بدقة والتفكر بشدة.

مفهوم التقدم الإنساني يحتاج إعادة تعريف. والوباء الذي شل حركتتنا، والارتفاع القياسي في درجات حرارة الكوكب، وشيوع عدم المساواة، التي كشفت عن وجوهها القبيحة خلال عام 2020 تدفعنا نحو إعادة تعريف مفهوم التقدم بشكل مختلف.

جزء من الاختلاف المرجو يكمن في تعديل دليل وطرق قياس التنمية البشرية. وبدلاً من الاكتفاء بقياس مستويات الصحة والتعليم والمعيشة، سيجري إضافة عنصرين جديدين: البصمة المادية لكل دولة، ومقدار ما تنتجه من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. والمقصود بالبصمة المادية، هو كمية المواد الخام المستخرجة لتلبية متطلبات الاستهلاك. الدليل الجديد المقترح سيرسم ملامح تقييم جديدة لمفهوم تقدم البشرية. صحيح أن الصورة ستكون أقل تفاؤلاً ووردية، لكنها ستصبح أكثر وضوحاً وواقعية.

وبحسب التقرير الذي صدر قبل أيام، والذي يحوي الدليل الجديد، فقد خرجت 50 دولة من مرتبة الدول ذات التنمية البشرية المتقدمة جداً، إلى المرتبة الأدنى! وهذا يعكس الاعتماد الضخم لهذه الدول على الوقود الأحفوري والبصمة المادية.

هذه المرة، الحاجة إلى الإنقاذ لا تحتمل التأجيل. فوباء واحد جديد سيطرح الكوكب أرضاً. والمطلوب الآن هو تخفيف الضغط على الكوكب، ومواجهة الاختلالات الكبيرة في الفرص المتاحة، وعدم المساواة الرهيب بين الناس سواء، في داخل الدولة الواحدة أو بين الدول وبعضها. واستمرار الأوضاع على ما هي عليه، حيث من يملك القوة والمال، هو الأكثر استفادة من الطبيعة على حساب الأضعف والأفقر، لن يلحق الضرر بالضعفاء فقط، ولكن بالجميع.

لم يعد الأمر نكتة أو سخرية حيث الاختيار بين الناس والأشجار. تخفيف الضغط عن الكوكب صعب، لكنه ليس مستحيلاً. كل المطلوب رفع قبضتنا عن الكوكب.

الأخبار الطيبة هي أن الإمارات العربية المتحدة تبوأت مكانة الصدارة عربياً في مؤشر التنمية البشرية هذا العام، متقدمة أربعة مراكز عن العام الماضي، لتحتل المرتبة الـ31 بين 189 دولة.

طباعة Email