للمذاق ذاكرة وصوت

يفتّش عن المذاق ويتتبّع الرائحة. وتلك أضحت معضلته، مع مرور الوقت وتلاحق الأعوام، بعيداً عن بلاده. كلُّ ما يستهلكه الآن من طعام وشراب يُعيده إلى مغناة «كان غير شكل الزيتون». وليت الأمر يتوقف عند الزيتون والصابون، يا سيّدتي ومولاتي.

ودّ الرجل المرتحل في الزمان والمكان، لو يتذوّق طعم الخرّوب، فابتاع زجاجة من محل يُقال إنه محترف في هذا المشروب. عندما عاد إلى البيت كان أوّلَ ما فعله أن فتح الزجاجة البلاستيكية، وسكب كوباً من الخرّوب، فلسعه مذاقٌ لا صلة له أبداً بالمذاق الأصليّ للخروب الذي أدمن عليه منذ كان فتى يلهو في حواري المخيم، وتهبّ عليه من الزقاق روائح الخروب المنقوع بالماء، قبل ليلة التحوّل إلى شراب يسيل له لعاب الحجر.

للمذاق ذاكرةٌ وصوتٌ. إنه أساس البنية الحسيّة للطَّعم. المذاق معيار راسخ في الماضي البعيد لحواسّ الكائن. تستقر الذّائقة وتألف الطّعم، فتغدو تلك الألفة قاعدةً ومرجعيّةً، وبها يقيس الكائنُ كلَّ ما له علاقة بذلك المذاق. هذا ينطبق على المنسف والملوخيّة، والمقلوبة، والمجدّرة، والقطايف، والرز بالحليب، وحتى المخلّل. وأمّا مذاق الشاي الذي كانت تصنعه أمّه العظيمة «الدبّورة» فيدفع عمره، كي يستعيده.

لذا تغدو الأمّ، في هذه العلاقة العميقة، هي المرجعية التي تُقاس على أساسها فرادة المذاق وإبداعه، حتى لو كان المذاق الأول للطعام غيرَ مستوفٍ لاشتراطات الجودة والعالميّة، لكنه يبقى متّصلاً برائحة الأم، التي ترقد تحت أقدامها الجنّة. لا يمكن لطعام الأمّ، أيّ أمّ، إلا أن يكون شهيّاً، وهذا إطلاقٌ لا يُفسده الاستثناءُ العابر.

بعيداً عن الرحم الأول؛ رحم الأمّ ورحم الوطن، ينجرح المذاق، ويُقعي مكتئباً في زاوية الماضي البعيد. وأما الرائحة؛ وتحديداً رائحة شجرة الليمون في ساحة البيت الأول، فيستطيع، تمييزها من بين أكثر من تريليون رائحة، وهذه قدرة الأنف البشريّ، كما يقول العلماء.

ويُقدّر أنّ ما يفعله متصل بفعل مقاومة غامض ينبع من الأقاصي السحيقة لروحه، ويظن أنّ استبساله في الدفاع عن المذاق الأول، والرائحة الأولى، والصورة بالأبيض والأسود، المعلقة على الجدار المتآكل قرب بيّارة البرتقال، مرتبط بخشيته أن يتسرب الماضي من بين أصابعه، فيصبح كالمنبتّ؛ لا أرضاً قطع ولا ظَهراً أبقى.

ومثله تفعل شعوب تعتز بلبس الحطة والعقال والكندورة والغترة والأثواب المطرزة بالحساسين، وتغني للسنّ الذهب، وللعود اليابس الذي علق العريس عليه جاكيته. إنه مذاق الذكريات التي تقبض النفسُ عليها بعضديها كراية القائد الفذّ جعفر الطيار.

ويضحك على نفسه، وهو يسرف في ولائه للماضي، كفعل دفاعي لا إرادي، لا سيما حينما يصر أن يكون كلّ شيء «بلدي» كأنما الخراف التي تربّت على الدلال في أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا، أقل شأناً من نظيراتها السارحات في العراء والربّ راعيها.

بيْد أنّ ما يخفف من غلواء التطرّف الوطني لديه، أنه ما زال يردّد مع السيدة العظيمة: «كان يبقى الحبّ جنون، يخلص بحرف النون، ومش كل إنسانة تمرق، تفرق وتصير تمون».

يبقى يردّد الأغنية حتى يجفّ حلقه. يفتح الثلّاجة، فتطلّ عليه زجاجة الخرّوب البلاستيكيّة، وتدعوه لإيلائها اهتمامه، لكنّ ولاءه للخرّوب الأصلي، الذي يبعث الصهيل في لسانه، يردعه، فيلوذ بـ«كولر» الماء، ويرتشف قليلاً، ثم يتذكّر «الزير» الملفوف بالخيش النديّ، في ساحة البيت المسقوف بالزينكو، ويتذكّر «كيلة» الألومنيوم، فيعبّ من بئر الصّور والروائح حتى يرتوي!

طباعة Email