تونس.. أمل ضعيف وخراب محقق

علّمنا تاريخ الشعوب والدول، أنّ المجتمعات لا تُخرّب ولا تتهاوى، إلّا بفعل أبنائها، أو بتواطؤ منهم، وأنّ الآخر الأجنبي، الذي يتربّص بهذه المجتمعات، لن يجد إليها سبيلاً ومدخلاً للتخريب، ما دامت جبهاتها الداخلية متماسكة ومتضامنة حول المبادئ الأساسية، التي دونها تستحيل الحياة المجتمعية، وفي غيابها تتداعى الدول.

وفي تونس، كان الزّعيم التاريخي الحبيب بورقيبة، سبّاقاً للتنبيه لهذه المسلّمة التاريخية، وقد يكون الخوف من الوقوع في مثل هذا السيناريو، دفعه إلى سلوكيات لا ديمقراطية، رغم قناعاته الليبيرالية، وفكره الحداثي والتنويري.. وهذا الكلام، هو من باب التفسير، وليس لتبرير السياسات والمواقف.

بورقيبة وعى بصفة مبكّرة واستباقية، أنّ المعارك الكبرى التي تخوضها تونس، لن تكسب دون مساهمة فاعلة من كلّ الأطراف المجتمعية والسياسية، وهو ما يفسّر الوفاق الاستراتيجي بينه واتّحاد العمّال، بقيادة الزعيم النقابي نور الدين حشّاد، وهذا توافق لم يُغيّب أبداً الخلافات والتناقضات الكثيرة والكبيرة بين الطرفين.

الاتحاد العام التونسي للشّغل (اتحاد العمّال)، كان لذلك شريكاً أساسياً في المعركة، من أجل استقلال تونس في مارس 1956، ثمّ في بناء الدولة الوطنية الحديثة، حيث كان أوّل برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي للحكومة التونسية، هو من إنجازه. وأمّا أكبر المعارك التي خاضها الاتحاد، فهي المعركة من أجل الديمقراطية، والتي انطلقت مع الرسالة التاريخية التي أرسلها الزعيم النقابي أحمد التليلي في 25 يناير 1966، إلى الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، مطالباً فيها بإرساء الديمقراطية، وبمراجعة طرق الحكم التي تتجه في تقديره بالبلاد إلى آفاق مسدودة، ومعتبراً فيها أنّ نظاماً يفرض نفسه على الشعب بالقوّة، هو نظام محكوم عليه بالفشل.

الاتحاد العام التونسي للشّغل، هو استثناء تونسي، من حيث دوره الريادي في لعب أدوار وطنية هامّة ومفصلية في كلّ الأزمات الكبرى، التي مرّت بها تونس، سواء تعلّقت بالطابع السياسي أو الاقتصادي. وقد استطاع الاتحاد على مدى تاريخه، أن يوفّق بين الجوانب النقابية الصّرفة، ودوره الوطني في المحافظة على استقرار المجتمع، وعلى ديمومة نموذجه الحضاري.

ويحسب لهذا الاتحاد، أنه احتضن التنوّع السياسي والحزبي في تونس، وحماه ضدّ كل أشكال تدخّل السلطة، وقد استفادت من ذلك عديد الأطراف السياسية والحزبية، والتي بلغ اللّؤم ببعضها لاحقاً، وبعد 14 يناير 2011، إلى محاربته والسعي إلى تقويضه.

اتحاد العمال لعب إذن دوره الوطني قبل الاستقلال وبعده، ولم يكن أبداً متهاوناً مع السلطة، إن هي أسرفت في تشدّدها السياسي، واستبدادها في الحكم، أو هي بالغت في توجّهات سياستها الاقتصادية، بما يضرّ بمعيشة المواطن، وقد دفع مناضلو الاتحاد ضريبة مواقفهم، ونالوا نصيبهم من تعسّف السلطة وسجونها (أحداث يناير 1978 و1984).

وبعد 2011، واصل اتحاد العمال لعب ذات الدور الوطني، وقد نال جائزة نوبل للسلام، من أجل مساهمته الفعّالة في إنجاح الحوار الوطني، الذي أنقذ تونس من أزمة مدمّرة، بعد موجة الاغتيالات السياسية في سنة 2013.

ورغم أن حركة «النهضة» نجحت في تفتيت المشهد السياسي والحزبي في تونس، إلّا أنها فشلت في تحقيق ذلك مع الاتحاد، الذي حافظ على تماسكه وقوّته، وانتشاره الميداني على كامل تراب الجمهورية، وهو ما لا تنظر إليه الحركة الإخوانية بعين الرضا.

ما تشهده تونس هذه الأيام، من دمار اقتصادي غير مسبوق، ومن عجز تامّ للدولة في مواجهته، أطلق العنان لحراك احتجاجي، تتّسع رقعته باطراد، وكذلك ما تعيشه البلاد من أزمة سياسية خطيرة، عطّلت عمل البرلمان والحكومة، وفي ضوء رفض رئاسة الجمهورية القيام بدورها وواجبها الدستوري، حيال ذلك كله، أعلن الاتحاد العام التونسي للشّغل، عن مبادرة جديدة، للخروج بتونس من أزمتها، ولكنّها لم تجد رواجاً عند الأطراف المالكة لناصية الحكم في تونس، فالتجأ إلى تعبئة القوى المجتمعية والمنظمات الأهلية.

إن الوضع في تونس مخيف، ومفتوح على المجهول، وللأسف، فإنّ بعض القوى الإيديولوجية، وعلى رأسها «النهضة» الإخوانية، مسنودة موضوعياً بقوى محسوبة على اليسار التونسي»، نجحت إلى حدّ ما في إضعاف الدولة، تمهيداً لتفكيك الجبهة الداخلية التونسية، وقد ضاعف من هذه الأزمة، الحسابات الخاطئة لبعض الأطراف السياسية، وكذلك المدّ الشّعبوي المتنامي، والذي يتراءى له أنّه سيستفيد من إضعاف الدولة أو إسقاطها.

إنّ المأزق حقيقي، والأزمة شاملة، وشلل المؤسّسات فعلي، وعجز الأحزاب والحكومة واقع معاش، وصمت رئيس الجمهورية مثير للشبهات، والاقتصاد في حالة موت سريري، والمواطن دخل مرحلة اليأس، وكان لا بد للاتحاد أن يتحرك، لعلّ ذلك يكون بادرة أمل أخرى لتعويض الفرص المهدورة وإنقاذ تونس، ولصدّ الباب أمام خرابها ودمارها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات