العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    صدمة العملاق الصيني

    من كان يتوقع أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تحالفت مع الصين الفقيرة لدك حصون العملاق الياباني في الحرب العالمية، صارت تحاول اللحاق بركب الصين خشية أن تتفوق عليها بحجم الاقتصاد. التوقعات تشير إلى أن الاقتصاد الصيني سيتخطى الأمريكي بحلول 2025.

    ما حدث كان قصة قيادات حاولت تقديم مشروع وطني، وذلك عندما قرر الرئيس الصيني، في منتصف القرن الماضي، تحويل الصين من دولة زراعية فقيرة إلى صناعية عملاقة، فطالب المزارعين بترك حقولهم واقتناص فرص العمل في المصانع التي بدأت تتزايد في البلاد بدعم من الدولة.

    غير أن تلك التجربة لم يكتب لها النجاح التام لأسباب عدة، لكنها تبقى محاولة جديرة بالتقدير للنهوض وإعادة مجد أمة يعود تاريخها إلى آلاف السنين قبل الميلاد. وقد مهدت هذه المحاولة الطريقة لقرارات جريئة لاحقاً.

    جاء الرئيس الصيني الجديد في السبعينيات من القرن الماضي وقد وجد بلاداً منعزلة عن العالم اقتصادياً، ولا تكاد تجد لها تمثيلاً دبلوماسياً مع كبريات الدول المتقدمة، فقرر أن يشق طريقاً جديداً للبلاد بتقوية الاقتصاد، فقدم فكرة المناطق التجارية الحرة «SEZ»، فيما اعتبر «اشتراكية بمواصفات صينية».

    وقد نجح ذلك في بناء البلاد وتعالى هدير آلات المصانع حتى بلغ إنتاج الصين في أيامنا هذه، 70 في المئة من الهواتف الجوالة في العالم، و42 في المئة من حواسيب العالم، و39 في المئة من مكيفات الكرة الأرضية. وعادت بورصة الصين للتداول بعد إغلاقها، وهي صورة من صور الرأسمالية، مهما حاولت الدولة إضفاء مسميات محلية عليها.

    وتطور التعليم الذي يعد العمود الفقري لأي نهضة، حتى أن الخبراء يتوقعون أن ربع الشعب الصيني سيحمل شهادة جامعية في غضون بضع سنوات، وهو ما يوازي الوضع الراهن في ألمانيا، أحد أكبر اقتصادات في العالم.

    وصرنا نرى الصينيين في كل مكان، وصار عدد طلبتهم في كثير من جامعات العالم ينافس مبتعثي سائر البلدان. وقد رأيت في بريطانيا وأمريكا أعداداً هائلة من الطلبة الصينيين، وكنت دائماً أسأل كثيراً منهم عن سبب هذا الإقبال التعليمي، فكانت الإجابة المشتركة تعود إلى الانفتاح الاقتصادي ومتطلباته من المتخصصين في شتى المجالات. وكان معنا زميل في نهاية الخمسينات من العمر مبتعث من قبل وزارة الإحصاء، فسألته عن سبب حصوله على بعثة في هذا السن، فقال إنه مميز جداً في عمله وتحتاجه الوزارة لمهاراته البحثية البارزة.

    وبدأت نسبة الفقر في الصين بالتدني بشكل ملحوظ وزاد ثراء أسر عديدة. ورأيت بعيني طوابير شتى في باريس ولندن ونيس، يصطف فيها متسوقو العلامات التجارية الفارهة، جلهم من الصينيين. وذلك لأسباب عديدة معظمها مرتبط بالانتعاش الاقتصادي الذي تشهده البلاد من قرارات قيادتها.

    ويتوقع أن تتخطى الصين الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يقلق الأمريكيين، بل وسوف تقدم الصين على مشروع غير مسبوق في تاريخ البشرية، وهي محاولة لربط نصف سكان الكرة الأرضية بعضها ببعض بقطار يمتد لنحو 12 ألف كيلومتر، من أقصى شرق الصين حتى تخوم العاصمة البريطانية لندن، فيعبر في «طريق الحرير» سهولاً وودياناً وبحاراً ليثبت للعالم أن العملاق الصيني يستيقظ من جديد.

    ولأن الصين تحاول التعلّم من أخطاء الماضي، فقد أطلقت على مشروع النهضة «صعود الصين السلمي»، وذلك في محاولة لتطمين الشعوب المجاورة والغربية البعيدة بأن مشروعاً عسكرياً لا يلوح بالأفق، بل كل ما تريده أن تتحول إلى مصنع العالم وقلبه التجاري النابض.

    ما أود قوله، إن كل ذلك حدث بفضل قرارات اتخذها قادة، بعضهم أخفق وبعضهم كتب له النجاح، غير أن بقاء القادة في حالة انتظار تحسن الظروف، لن يقدم البلاد نحو الأمام ما لم يتخذ المسؤولون خطوات جادة نحو التنمية، وليس الكلام الإنشائي للاستهلاك المحلي، ولحسن الحظ فإن التاريخ يكشف دوماً من كان يدغدغ مشاعر شعبه لأسباب آنية، ممن ترك مشروعاً قومياً يشار إليه بالبنان، وينعم به الناس جيلاً بعد جيل.

    طباعة Email