الحضارة مبادئ وقيم

تُبنى الحضارات وترتقي بقيمها ومبادئها، التي هي أساس النهضة والتقدم والإنجاز، في كافة المجالات، بل إن قوام الرقي البشري يعتمد اعتماداً وثيقاً على القيم، سواء في ارتقاء الإنسان بنفسه أو مجتمعه أو وطنه أو العالم الذي يعيش فيه، فهي تدفعه وتوجِّهه ليكون عنصراً مسؤولاً ومعطاءً مشبَّعاً بروح الرحمة والعطف، فينفع ولا يؤذي، ويساهم بإيجابية في مسيرة الحياة عبر تفاعل بنَّاء مع مجرياتها ومتغيراتها.

وقد أكد العلماء والحكماء والفلاسفة وغيرهم الأهمية الكبرى المناطة بالقيم في بناء الحضارات، بل في قيام المجتمع الإنساني نفسه، الذي لا يمكن له النهوض إلا بالتعاون الاجتماعي بين أفراده، ووجود روح مسؤولية والتزام متبادل، وهي قيم ومبادئ ضرورية، لا تنحصر صلتها بالإطار النظري أو المثاليات المأمولة، بل تمتد امتداداً مباشراً إلى سائر الميادين العملية، سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو الدولي وسائر المجالات، فالوفاء بالعقود في التجارة وأداء الحقوق والالتزام بالقوانين والتعاون الاجتماعي كلها قيم ضرورية لنشوء الاقتصاد وقيام العلاقات الاجتماعية والدولية وغيرها.

وذلك يدل دلالة مؤكَّدة أن أساس قيام الحضارات هي القيم التي تمثل لها قواعد بناء ولبنات رقي وسياج حماية، يقول الفيلسوف الألماني ألبرت شفايتزر (Albert Schweitzer)‏: «إن الحضارة تنشأ حينما يتسلح الناس بالعزم الصادق لبلوغ التقدم، ويكرسون أنفسهم لخدمة الحياة والعالم، وفي الأخلاق وحدها نجد الدافع القوي إلى مثل هذا العمل، فنتجاوز حدود وجودنا»، ويؤكد شفايتزر ذلك بقوله: «إن الحضارة التي لا تنمو فيها إلا النواحي المادية، دون أن يواكب ذلك نمو متكافئ في ميدان الروح، هي أشبه ما تكون بسفينة اختلت قيادتها ومضت بسرعة متزايدة نحو الكارثة»، كما أكد ذلك غيره من الفلاسفة والحكماء، بل إذا ذهبنا أبعد من ذلك فإننا نجد أن النهضة المادية نفسها لا يمكن أن تنشأ إلا بقدر من القيم الضرورية اللازمة لذلك.

ومع التحديات العالمية التي تفجأ المجتمعات البشرية، تصبح العناية بالقيم أشد حاجة وإلحاحاً، وقد أكدت جائحة «كورونا» التي اجتاحت العالم اليوم، الدور المركزي للقيم الإنسانية في مواجهة هذا التحدي والتغلب عليه، سواء على مستوى القيادات أو خطوط الدفاع الأولى، أو الجهات الداعمة أو المجتمع ككل، وما يتطلبه ذلك من تعزيز روح المسؤولية والالتزام والتضحية والعطاء، وكذلك على مستوى المجتمع العالمي بدوله ومجتمعاته ومنظماته العالمية ومؤسساته العلمية، التي لا يمكن أن تقوى على مواجهة هذا التحدي إلا بالتعاون والتكاتف.

ومن أهم القيم الحضارية التي تسمو بالإنسان إلى آفاق التفاني في العطاء، قيمة الرحمة والعطف، وهي قيمة وجدانية عُليا، تسمو بالإنسان ليصبح بلسماً يداوي جروح الآخرين، فتكون كلمته ذات وقع إيجابي، تُزيل هماً، وتخفف حزناً، وتُبدي رأياً ناصحاً، ويكون فعله دعماً ومساندةً وتقديماً للخير ودفعاً للشر وتعاوناً وإبداعاً وابتكاراً لما فيه سعادة البشرية، وحينما يسود التراحم تزهو المجتمعات وتقطع أشواطاً في تشييد صرح الحضارة المشرقة.

ومن الدول التي اعتنت عناية كبرى بالقيم، دولة الإمارات، التي أسسها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على قيم راقية ومبادئ سامية، تجعل بناء الإنسان والمحافظة عليه أولوية، وتحقيق سعادته ورفاهه غاية ومطلباً، وترجمت دولة الإمارات ذلك واقعاً مشرقاً، فهي واحة تسامح تستضيف أكثر من 200 جنسية حول العالم، وأرض رخاء وازدهار توفر أرقى الخدمات لمواطنيها ومقيميها، وشجرة خير تمتد أغصانها الوارفة لتجود بثمارها للناس في كل مكان.

وتتسع قيم دولة الإمارات لتشمل حتى العناية بالبيئة الحيوانية والنباتية، كجزء أصيل من قيم الحضارة، في صور عدة، منها المحافظة على أنواع الحيوانات المهددة بالانقراض، وبناء المحميات الطبيعية لها، وإنشاء مراكز رعاية الحيوانات الأليفة، وتوفير الخدمات العلاجية البيطرية، وكم هو جميل ما قامت به بلدية دبي من سرعة الاستجابة لإنقاذ طائر، والاهتمام به، بعد أن تلقت اتصالاً من سيدة عربية بذلك، وما أجمل تعليق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، : «لا قيمة لأية حضارة بدون قيَم.. قيَم تعطينا معنى لإنسانيتنا».

 

 

طباعة Email