ملعقة شاي

تمنيت لو أن عالم الرياضيات الأسترالي مات باركر، لم يختر ملعقة الشاي كي يقدّر بها كمية فيروس «كورونا» المستجد التي أصابت البشر في جميع أنحاء العالم حتى الآن.

تمنيت لو أنه اختار ملعقة قهوة أو سكر، أو ملعقة دواء كحة أو سعال على سبيل المثال. الشاي هو مشروبي ومشروب ملايين البشر المفضل، فلماذا قدّر مات باركر كمية فيروس «كورونا» المستجد التي غيرت وجه الحياة على سطح الكرة الأرضية منذ بداية هذا العام بملعقة شاي؟

عالم الرياضيات الأسترالي أكد أن الكمية الإجمالية للفيروس، التي أصابت أكثر من 53 مليون شخص حول العالم، تبلغ نحو 8 ملليلترات فقط، أي ما يعادل حجم ملعقة شاي تقريباً. باركر وضع افتراضات عدة للتوصل إلى هذه النتيجة، وعلق قائلاً: كل الفوضى الواقعة في العالم الآن تعود إلى كمية فيروس بحجم ملعقة صغيرة.

وكان باركر قد قام بإجراء تقييم على 300 ألف حالة إصابة جديدة يومية في جميع أنحاء العالم، من خلال تقدير عدد الخلايا في كل مصاب بالفيروس بناءً على المسحات الطبية والأبحاث، وبافتراض أن كل حالة جديدة أصيبت لمدة 14 يوماً. ثم قام بعد ذلك بحساب عدد الأشخاص الذين يحملون الفيروس حالياً، وتوصل في النهاية إلى أن الكمية الإجمالية للفيروس التي أصابت أكثر من 53 مليون شخص حول العالم تبلغ نحو 8 ملليلترات.

جهد مقدَّر لعالم الرياضيات الأسترالي مات باركر، الذي فكر في القيام بهذه العملية الحسابية للتوصل إلى هذه النتيجة، والمطلوب الآن من العلماء والخبراء أن يقوموا بحصر الخسائر التي منيت بها البشرية نتيجة هذه الملعقة الصغيرة من الفيروس.

فبالإضافة إلى عدد الوفيات الذي تجاوز المليون و340 ألف حالة وفاة، علينا أن نعرف حجم الدمار الذي سببته لنا ملعقة الفيروس الملليلترية هذه خلال أقل من سنة.

فما ظهر من أرقام الخسائر التي منيت بها اقتصادات الدول حتى الآن لا يمثل سوى قمة جبل الجليد، والتراجع الذي رأيناه في نسب النمو في جميع الدول حتى الآن ينذر بنتائج كارثية لم يشهدها العالم منذ قرون عبر أزماته الاقتصادية الكبرى.

8 ملليلترات من الفيروسات، أو ما يعادل حجم ملعقة شاي تقريباً، على حد وصف مات باركر، عصفت بحياتنا خلال أقل من عام، ونشرت الرعب في أنحاء العالم أجمع، حالة تدعو إلى التفكر في أحوالنا، وإعادة حساباتنا، ومعرفة حجمنا في هذا الكون، وعدم الاغترار بما وصلنا إليه من قوة وعلم وتقنية ونهضة وتقدم.

فحين يقلب هذا الحجم الضئيل من الفيروسات حياتنا رأساً على عقب، ويحبسنا في بيوتنا، ويعطل الدراسة في مدارسنا وجامعاتنا، ويشل حركة مطاراتنا وموانئنا، ويغلق الحدود في وجه الداخلين والخارجين من بلداننا، ويفرض علينا التباعد، ويمنعنا من الاقتراب من أعز الناس لدينا، ويجبرنا على لبس الكمامات في كل مكان، حين تتمكن كمية فيروسات بحجم ملعقة شاي صغيرة من فعل كل هذا بنا، فذلك يعني أننا ضعفاء إلى الحد الذي يدعونا إلى عدم التباهي بالقوة التي نظنها بأنفسنا، فكل هذه القوة التي نتباهى بها ما هي إلا مجرد وهم استطاعت كمية فيروسات بحجم ملعقة شاي أن تحطمه.

بحسب مات باركر فإن جسيم فيروس «كورونا» المستجد صغير جداً، وهو أصغر مليون مرة من الخلية البشرية. وبحسبة باركر، هناك نحو 3.3 مليارات فيروس دخلت أجساد البشر المصابين بـ«كوفيد 19».

ولهذا فإن ملعقة الشاي هذه تعلمنا أن العبرة ليست بالحجم والعدد، وإنما هي بالتأثير، فهذه الكمية من الفيروسات، التي بحجم ملعقة شاي صغيرة، استطاعت أن تربك أقوى دول العالم وجعلتها تقف عاجزة أمامها.

ففي الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، تجاوز عدد الإصابات 12 مليوناً، وجاوز عدد الوفيات ربع مليون، حتى ساعة كتابة هذا المقال، وهو ما ينطبق على دول كثيرة أخرى، لم تشفع لها قوتها ولا تقدمها العلمي، ولم يحولا دون أن تكون فريسة سهلة لملعقة الشاي الصغيرة هذه، الأمر الذي يؤكد أن نصيب دول العالم العظمى من ملعقة الشاي هو الأكبر بين أنصبة الدول الأخرى.

سوف يمضي زمن تذهب خلاله ملعقة الفيروسات، التي شبهها باركر بملعقة الشاي، إلى سلة المهملات.. ويبقى مذاق الشاي، مشروب ملايين البشر المفضل، على كل لسان.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات