الأصولية الأمريكية مستمرة!

صحيح أن رؤية الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن تتّصف بالاعتدال، لكنه سيكون رئيساً لمجتمع أمريكي اختار نصفه (أكثر من 70 مليون ناخب) دعم الرئيس الحالي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري الذي ازداد عدد مقاعده في مجلس النواب، والذي مثّل حالة تطرف في مجالات عدة.

 

فهذا المجتمع الأمريكي قام تاريخه أصلاً على العنصرية والعبودية والعنف، وما زال عدد كبير من سكانه يرفض التخلّي عن اقتناء الأسلحة الفردية وعن ظاهرة الميليشيات المسلحة.

تعيش أمريكا في بدء العقد الثالث من القرن الـ21 مزيجاً من حالات التمييز الديني والثقافي ضدّ المهاجرين، إضافة إلى مشاعر عنصرية كامنة ضدّ الأمريكيين الأفارقة ذوي البشرة السوداء. وهذه المشاعر بالتمييز على أساس لون أو دين أو ثقافة، هي التي تهدد وحدة أي مجتمع وتعطّل أي ممارسة ديمقراطية سليمة فيه.

وما يُسجّل للحزب الديمقراطي من اعتماد على نهج الاعتدال ضدّ فكر التطرّف الذي ساد طيلة فترة حكم ترامب، يواجه الآن تحديات داخلية كثيرة أبرزها الشعور العنصري الدفين في المجتمع الأمريكي، ومن ثمّ فإن برنامج الحزب السياسي والاجتماعي يتناقض مع برنامج اليمين المحافظ.

إضافة إلى الانقسام السياسي التقليدي بين «ديمقراطيين» و«جمهوريين» وما في كل معسكر الآن من برامج صحية واجتماعية واقتصادية مختلفة، وتأثيرات مهمة لشركات كبرى ومصالح ونفوذ «قوى الضغط» الفاعلة بالحياة السياسية الأمريكية.

المجتمع الأمريكي سيسير نحو التطرّف داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري لأسباب موضوعية تزداد فعاليتها في هذه المرحلة. وما ينطبق على القوانين العلمية الفيزيائية يصحّ أيضاً على المجتمعات والشعوب حيث لكلّ فعل ردّة فعل موازية لقوّته.

ولذلك جرت مواجهة التطرّف اليميني الذي تعيشه الولايات المتحدة منذ بدء القرن الحالي مع إدارة جورج بوش الابن، بتطرّف نحو اليسار لدى المعارضين له، وهو أمر يتجاوز بكثير مسألة الانقسامات السياسية والأيديولوجية ليشمل ما هو أخطر على وحدة المجتمع.

فالولايات المتحدة نشأت تاريخياً على أيدي أوروبيين بيض «أنجلو سكسون» بروتستانت مارسوا العنف والقتل ضدّ أصحاب الأرض الشرعيين الذين اُصطلح على تسميتهم بـ«الهنود الحمر»، ثمّ استحضر المهاجرون الأوروبيون أعداداً كبيرة من الأفريقيين واستعبدوهم لقرون طويلة.

ورغم القيمة العظيمة للدستور الأمريكي الذي جرى إقراره في العام 1789، فإن التمييز الديني والعرقي استمر في الولايات المتحدة حتى أواخر القرن العشرين، وشهدت طوائف مسيحية كاثوليكية ممارسات عنف وقتل ضد أتباعها من المهاجرين الجدد لأمريكا إلى حين مطلع القرن الماضي.

كما استمر التمييز العرقي ضد الأمريكيين الأفارقة في مختلف مجالات الحياة والعمل حتى حقبة الستينات. وكان جون كنيدي أول رئيس كاثوليكي للولايات المتحدة الأميركية (1961 - 1963)، ولم يأت بعده كاثوليكي آخر للرئاسة الأمريكية إلا الآن بفوز جو بايدن!.

لذلك كان وصول باراك حسين أوباما، الأمريكي الأفريقي، ابن المهاجر المسلم، للرئاسة في العام 2008 وفي العام 2012، صدمة كبيرة لمن يمكن وصفهم بالأصوليين الأمريكيين، الذين يريدون الحفاظ على هُوية أمريكا «الأوروبية البيضاء المسيحية».

والذين كانت ردود أفعالهم مساوية في قوتها لفعل انتخاب أوباما من قبل غالبية تشكّلت من مزيج ضم يساريين بيضاً معظمهم من الشباب والمثقفين والفنانين، وأصوات معظم الأمريكيين الأفارقة، وكتل شعبية ضخمة من المهاجرين الجدد من أمريكا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط. ولذلك أيضاً، كان فوز دونالد ترامب صدمة معاكسة للصدمة التي جرت حين فاز أوباما.

«الأصوليون الأمريكيون» يعلمون تماماً ما جرى نشره في مطلع هذا القرن من إحصاءات ودراسات تؤشر كلها إلى تغيير ديمغرافي مهم، وينبئ بتحوّل العرق الأبيض إلى أقلية في المجتمع وإلى هيمنة واسعة لثقافات ولغات غير الأصول التي نشأت عليها أمريكا.

«الأصوليون الأمريكيون» الذين كانوا يستعبدون أصحاب البشرة السوداء وجدوا أنفسهم تحت قيادة أوباما لأكبر دولة في العالم، وحصول العديد من الأمريكيين الأفارقة على مراكز حساسة في المؤسسات.

و«الأصوليون الأمريكيون» تنتشر وسطهم جماعات دينية محافظة، وبعضها لديه عنصرية دينية ضد أي دين أو مذهب مسيحي آخر، بينما الهجرة لأمريكا من دول العالم الإسلامي كانت تزداد بشكل واسع خلال العقود الماضية، إضافة إلى أن غالبية المهاجرين من أمريكا اللاتينية هم من أتباع المذهب الكاثوليكي.

وهذه العناصر مجتمعة: التغيير الديمغرافي والعنصرية العرقية المتجذرة والهجرة لأمريكا من أديان ومذاهب وثقافات مختلفة عن «الأصول الأمريكية» كانت هي وراء فوز ترامب في العام 2016، وهي مستمرة كعوامل فاعلة رغم عدم فوز ترامب بالرئاسة، وستفرض نفسها لاحقاً على الحزب الجمهوري وعلى أعداد كبيرة من المستقلين غير الحزبيين.

فالتطرف هو الذي يسود الآن في المجتمع الأمريكي ولن يتراجع في القريب العاجل، بل ربما سيزداد قوة بعد الانتخابات الأخيرة، علماً أن التطرّف يؤدي أيضاً إلى استخدام العنف المسلح، كالذي جرى من حوادث إرهابية محلية في عدة ولايات ضد أقليات دينية وعرقية وإثنية. فحقّ اقتناء السلاح في أمريكا أمر لا رجعة عنه، وقد ارتفعت نسبة شرائه في الأشهر الماضية ما ينذر بممارسات عُنفية أكثر في المرحلة القادمة.

*مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات