الحوار الليبي وفرض الأمر الواقع

شهدت إحدى ضواحي العاصمة التونسية على مدار الأيّام الماضية، جلسات الحوار الليبي بإشراف ستيفاني وليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة والممثلة الخاصّة بالنيابة للأمين العام في ليبيا.

وذلك في محاولة للتوصّل إلى حلّ سياسي سلمي شامل للأزمة الليبية التي تتواصل منذ أكثر من 10 سنوات، وهو حلّ بدا من الواضح أنّه صعب المنال في ضوء مناخات عدم الثّقة التي تسود بين الفرقاء الليبيين، وكذلك الإحساس المتعاظم لدى مجلس النواب والتيّارات الوطنية الأخرى بأنّ وساطة الأمم المتّحدة يغيب عنها الحياد.

ويتكوّن المؤتمر من 75 مشاركاً وهم مجموعة من أعضاء المؤتمر الوطني لانتخابات 2012، وأخرى من نشطاء المجتمع المدني، وثالثة من البرلمان الليبي (برلمان طبرق)، لكنّ التوجّه الغالب على تركيبة المؤتمر هم جماعة «الإخوان» وتيّارات «الإسلام السياسي» عموماً وتوابعهم.

وقد أسرّ لنا مصدر معارض لتنظيم الحوار بأنّ مسألة «التصويت محسومة لفائدة «الإخوان» في حال وجود أيّ خلاف» بين الأطراف.

وقد حدّدت آلية اختيار أعضاء المؤتمر هذه، منظمّة الأمم المتّحدة عن طريق ستيفاني وليامز، وهو ما رفضه وتحفّظ عليه مجلس النواب والمجتمع المدني الليبيين من خلال بيانات ووقفات احتجاجية عديدة، لكنّ المنظمّة الأممية لم تستجب، وأصرّت على خيارها.

ويعيب الرّافضون لهذا الخيار تعمّده استبعاد قوائم مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وكذلك ممثّلي القبائل والعشائر، ورأوا في توجّه الأمم المتّحدة محاولة لفرض أمر واقع على الليبيين لا يعكس طبيعة مجتمعهم وتركيبته السياسية والاجتماعية.

ومعلوم أن تيّارات «الإسلام السياسي» وجماعة «الإخوان» تحديداً فشلت في فرض ذاتها بواسطة الانتخابات مرّتين، وهو ما لم تقبل به الجهات الإقليمية والدولية المساندة لها، وما دفعها إلى السّعي وبكلّ الطّرق إلى تغيير تركيبة السّلطة في ليبيا بما لا يتماشى مع موازين القوى المجتمعية.

ويُفترض لهذا الحوار أن يُفرز مجلس رئاسة وحكومة وطنية وهيئة تشريعية، وذلك لإدارة مرحلة انتقالية تدوم 18 شهراً تنتهي بتنظيم انتخابات عامّة تشريعية ورئاسية، كما حُدّدت له من المهام أيضاً وضع دستور جديد للبلاد، وكذلك السّهر على إجراء الانتخابات في مواعدها المقرّرة.

ويبدو أنّ هذه الأهداف بعيدة عن حيازة إجماع الأطراف المشاركة، فالبرلمان الليبي أكد في بيان أنه يرفض بشدّة مبدأ استبدال هيكل شرعي منتخب قائم (البرلمان) بجسم تشريعي آخر غير منتخب، كما عبّر عن عدم قبوله باستمرار وجود لجنة الحوار بعد انتهاء مهامها، مؤكّداً أيضاً ضرورة تزامن المسار الأمني والعسكري مع مسار الحلّ السياسي.

«تأسيسية الدستور» الرافضة أصلاً لمبدأ الحوار في هذا الشّأن، أكّدت من جهتها أن إنجاز الدستور هو من مهامها، وقد أكملت مهمّتها، وهي تنتظر تركيز الآليات لعرض المشروع على الاستفتاء الشعبي.

وبقدر ما كان موقف مجلس النواب وكلّ الفصائل الأخرى مرحّباً بالحلّ السياسي السلمي للأزمة الليبية، وباستبعاد خيار الحرب بشكل نهائي، كانت هذه الأطراف متوجّسة من المُخرجات الأخرى لهذا الحوار الذي ترى فيه «تطويعاً قسرياً لإرادة الشّعب الليبي من أجل القبول بحلول لا تخدم مصالحه وتهدّد فعلياً وحدة واستقلال ليبيا»، بحسب مصدر مقرّب من المشير خليفة حفتر الذي يشارك أنصارٌ له في هذا الحوار.

الواضح إذن أنّ الإجماع حاصل لدى كلّ الأطراف، من غير «الإخوان» وتوابعهم، أنّ هذا الحوار هو محاولة لإضفاء الشرعية على كيانات سياسية، لا حاضنة ولا أساس مجتمعي وشعبي لها داخل ليبيا، وهو ما أكّده استحقاقان انتخابيان.

الواضح كذلك أنّ هذه الأطراف مدفوعة إلى المشاركة بشكل مباشر أو غير مباشر في هذا الحوار الذي تُشرف عليه الأمم المتّحدة، وذلك لفكّ العزلة الدولية عنها، أو لإظهار حُسْنِ نيّبتها في محاولة إيجاد الحلول الضرورية للأزمة الليبية، ولكنّ مشاركتها لن تؤدّي بالضرورة إلى القبول بنتائج هذا الحوار، وهو ما يفسّر الانسحابات من الحوار والتهديد بها من طرف مجموعات من الشّرق الليبي.

إنّ التوصّل إلى حلّ سياسي دائم وقابل للتطبيق هو ما يوحّد موقف الأطراف الليبية الوطنية، ولكنّ المساعي المحمومة من أجل فرض جماعات «الإسلام السياسي» على المجتمع الليبي والليبيين، قد يحكم على هذا الحوار من أجل السلام بالفشل، وفِي الغالب فهو سيتمخّض على مجرّد «إعلان نوايا» دون تضمينه آليات تطبيق، وإذا ما تعدّى هذا السّقف، فإنّ نتائجه لن تقبل بها جلّ الأطراف الليبية الوطنية.

إن الشعب الليبي هو بلا شك في حالة انتظار، ولكن ما يرشح عن المؤتمر المنعقد في تونس، يرجّح فرضية عودة الحرب أكثر من تركيز السلام الدائم، وهناك بالفعل تخوّفات حقيقية من الوقوع في المحظور.

* كاتب تونسي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات