محمد القرق.. قامة ثقافية من الزمن الجميل

لقد كان لخبر وفاة أخينا العزيز محمد صالح القرق تأثير بالغ علينا، وذلك لمدى ما تربطنا به من علاقة وطيدة خصوصاً في مجال الأدب ووشائج الثقافة المشتركة.

فقد كان، رحمه الله، أستاذاً وأحد أهم مثقفي دولة الإمارات العربية المتحدة، الذين يعتز الإنسان بمعرفته وصداقته، وقد استفدنا كثيراً من أوجه ثقافته وجهوده المتميزة في مجال توثيق كثير من المعلومات وترتيبها وفهرستها، فقد كانت له مكتبة عامرة بكثير من الكتب الثقافية.

وقد تميز، رحمه الله، بتلك التوثيقات بما يعجب به المطلع والباحث، بحيث يجد لكل باب وغرض توثيقاً يتصل به، يسهل على الباحث الوقوف على ما كتب وتوفر فيه من معلومات وبحوث حتى إنني رأيت في هذه المكتبة جانباً للورود والزهور بشكل يلفت النظر إلى دقته واهتمامه، رحمه الله، بكثير من جوانب الثقافة، وأتمنى من الإخوة أولاده الكرام أن يقوموا بالبحث عن أي كتابات له، رحمه الله، لم يتم طبعها تمهيداً لطباعتها وتوزيعها.

ومن جوانب توثيقاته احتفاظه بكثير من مراسلاته مع بعض المثقفين والكتاب ومراسلاته مع أصدقائه، منهم من رحل، رحمه الله، وقد عرض جانباً من ذلك في أحد المعارض بندوة الثقافة والعلوم. وأهم ما تميز به من نتاج ثقافي يحسب لدولة الإمارات والمثقفين فيها هو ترجمته لرباعيات عمر الخيام، بحيث يعد المثقف الوحيد، الذي قام بهذا الجهد والجانب المهم من جوانب الثقافة في دولة الإمارات، والذي يميز هذا العمل أنه قام به من خلال ترجمته من لغته الأصلية، التي كتبت به، حيث يعد هذا النتاج مفخرة له وللثقافة في الإمارات، وقد كان، رحمه الله، شاعراً له كثير من المشاركات وأشعار جميلة وجيدة.

ويتميز بسعة اطلاعه وكثرة قراءاته في مناحي الثقافة، وخصوصاً الأدبية منها، يحفظ كثيراً من الأشعار العربية القديمة من الشعر الجاهلي، وما يليه من عصور وإنك لتعجب من كثرة حفظه واستدلالاته الشعرية، وله اإسهامات في مجال الكتابة، بحيث جمع بعضها ونشره.

ولاهتماماته الشعرية، ولكثرة ما يحفظه من أبيات عرضت عليه، رحمه الله، أن يتبنى مشروع تجميع الأبيات المشهورة، التي سارت على ألسنة الناس، وجرت مجرى المثل أو الحكمة، ويذكر عدداً من الأبيات قبلها وبعدها، وينسبها إلى قائلها، ويسجل مناسبتها، ففي ذلك خدمة ثقافية مهمة، لها جوانب من النفع والفائدة، وقد استساغ، رحمه الله، هذا الرأي وتحمس له وبدأ فيه، وأخبرني قبل فترة، رحمه الله، أنه أنجز في ذلك شوطاً بعيداً.

لقد فقدت الإمارات برحيله قامة ثقافية من قاماتها من أبناء الزمن الجميل، الذين استطاعوا بجهودهم الذاتية من خلال الاطلاع والقراءة في وقت كان الحصول على مصادر الثقافة فيه من الصعوبة بمكان، ولكنهم رغم تلك الصعوبة استطاعوا أن يثقفوا أنفسهم، ويجتازوا هذا الطريق الوعر، ويكونوا من المثقفين، الذين يعتز بهم الإنسان.

وأرى أنه من الأهمية بمكان أن يهتم أبناء الراحل العزيز بمكتبته ويولوها ما تستحقه من رعاية واهتمام، ويحافظوا على مقتنياتها من الكتب والأبحاث، وعلى مراسلاته التي أشرت إلى جانب منها أو أن يتعاونوا مع أحد المراكز والمؤسسات الثقافية في الدولة كمركز جمعة الماجد أو ندوة الثقافة والعلوم بإهداء المكتبة لأحدهما، ليتوفر لها جانب الحفظ، ولتكون في متناول يد المطلعين والباحثين تعميماً للفائدة منها.

رحم الله أخانا الراحل العزيز الأديب الشاعر المثقف محمد صالح القرق، سائلين الله تعالى له الرحمة والمغفرة، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنان مع النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، كما نتقدم بأحر التعازي لأبنائه وعائلته وأصدقائه المثقفين، ونسأله تعالى لهم الصبر والسلوان، إنه سميع مجيب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات