تصميم الـ 50 عاماً المقبلة

أتابع بشغف وفضول شديدين، كل ما يكتب ويقال ويذاع عن «مشروع تصميم الخمسين عاماً المقبلة»، لدولة الإمارات الشقيقة. وكل كلمة من مسمى المشروع، تستدعي الوقوف والتأمل. «تصميم» السنوات فكرة مذهلة. فالتصميم يختلف عن التفكير أو التدبير أو التخطيط. فهو يشمل كل ما سبق، بالإضافة إلى ارتباط التصميم بالرسم، بهدف التوضيح والتمثيل الدقيق للواقع، بعناصره وأجزائه. لذلك، حين ترتبط السنوات والعقود المستقبلية بمفهوم التصميم، فإن هذا يعني نقلة نوعية في التخطيط لمستقبل الشعوب، وهذا ما عودتنا عليه الإمارات، حيث الابتكار خارج الصندوق، وفي الوقت نفسه، اللصيقة بالواقع والثقافة والمعطيات والإمكانات.

إمكانية تصميم مستقبل الدول، تفتح آفاقاً غير مسبوقة، لا سيما حين يكون التصميم متزامناً ومواكباً لمجريات العصر، حلوه ومره، وقادراً على استشراف ما يمكن أن تسفر عنه الأيام والسنوات من تطورات وتغيرات، سواء كانت إيجابية، تعود بالخير والنفع، أو سلبية، حيث تلقي بظلال وخيمة على الدول والشعوب، والأخير أمر لا بد منه. ولعل ما يمر به الكوكب من ظرف وبائي، ظن الجميع – أو تمنوا – أن يكون استثنائياً، فإذا به يعلن أنه عقد العزم، أن يكون هو العادي والشائع، لحين إشعار آخر.

أجواء «كوفيد 19»، التي قلبت الحياة رأساً على عقب، ولقنت البشرية - وما زالت - دروساً عظيمة، ليس فقط في التعايش فحسب، بل في التصالح مع أصعب الأحوال، وإعادة توجيه دفة البشرية إلى حياة طبيعية «جديدة». وأغلب الظن أن هذه التجربة العظيمة والأليمة في آن، ستشكل وتفيد وتثري مشروع تصميم الخمسين عاماً المقبلة لدولة الإمارات. وحين يتعلق الأمر بخطط تنموية للشعوب، فهل من مشارك أفضل في التخطيط والتفكير والرسم من أصحاب الشأن، ألا وهم أفراد المجتمع أنفسهم؟.

أغلب الظن أن المشاركة المجتمعية تلك، ستسفر عن آلاف من الأفكار والتصورات والملامح والمعالم التي ستستقبلها المنصة الرقمية المتاحة للجميع. وحين يشارك الجميع في صياغة شكل ومحتوى الحياة للسنوات الخمسين المقبلة، فهذا من شأنه أن ينمي ويعمق ويجذر الانتماء الفعلي، وكيف لا ينميه ويقويه، وأنا كمواطن أرى وأشاهد وأشارك في صناعة مستقبلي وأبنائي وأحفادي. سأكون عضواً فاعلاً، إن لم يكن بالفكرة، فبمناقشتها، وإن لم يكن بالابتكار، فبمقترحات تطويره، وسأكون شاهد عيان على هذا الحوار المجتمعي المتاح بشفافية ومصداقية غبر المنصات الإلكترونية.

ظن كثيرون أن عام 2020، قد ضاع هباء في صدمة الوباء، ثم جهود ما بعد الصدمة لاحتواء الكارثة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحالياً، التعايش مع فكرة استمرار الكارثة والبقاء على قيد الحياة الطبيعية الجديدة، مع مداومة العمل والإنتاج والترفيه، وتربية الصغار، وتنمية القدرات، وحل مشكلات الحياة اليومية، التي كنا نظنها أقصى وأقسى ما يمكن أن نتعرض له. لكن هذا العام الاستثنائي، يقف صامداً عنيداً أمام الوباء. فقد أصرت الإمارات على أن المضي قدماً في رسم مستقبلها، وتصميم مجالات الاقتصاد والتعليم والبنى التحتية والتكنولوجيا والصحة والإعلام، رغم أنف الوباء وقيوده. وهذا الإصرار في حد ذاته، برهنة فعلية وواقعية على مفهوم يسمونه بالإنجليزية (Resilience)، وهو خليط من إبداء المرونة والتكيف، مع الإبقاء على الأصل، وعدم المساس بالقواعد. القاعدة الذهبية في حالات الاكتئاب والإحباط والشعور بقلة الحيلة وفقدان السيطرة أو القدرة على مواكبة مجريات الأمور، هي إعطاء الأمل، شرط ألا يكون كاذباً أو مفتعلاً. وهل هناك أمل أقوى، وفيتامين أنجع، من رسم المستقبل لمن يشعر أن حاضره بات مهدداً؟!

ولولا أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أعلنا في 15 ديسمبر الماضي، أن 2020 سيكون «عام الاستعداد للخمسين»، لظن البعض أنها محاولة آنية لجذب الانتباه بعيداً عن الوباء.

الوباء لم يمثل عائقاً أمام المضي قدماً في مشروع التصميم. حلقات النقاش افتراضية، منصة رقمية تستقبل الأفكار والمقترحات، إبداعات الشباب وابتكاراتهم ومشروعاتهم، ستجري مناقشتها في لقاءات عنكبوتية، مع تمكينهم من الأدوات التقنية في حلقات موجهة خصيصاً لهم، القطاع الخاص، وأصحاب الأنشطة الكبيرة والصغيرة، ورواد الأعمال مشاركون رئيسون، الوزراء والمسؤولون، سيلتقون مجموعات ممثلة لفئات مختلفة من المجتمع، وخلايا العمل ستجري على قدم وساق، ولو افتراضياً، مراعاة لظروف «كورونا» وإجراءاته الاحترازية.

الرؤية الجمعية المتوقعة من هذه التفاعلات والمشاركات والحوارات والنقاشات «رمانة الميزان». فالرؤى الجمعية، تحمل آمال المجتمعات وأمنياتها، مع إمكاناتها وقدراتها مجتمعة، رغم اختلاف المكونات والمصالح. وكون الرؤية مبنية على أسس علمية وحقائق واقعية، حيث الاستعداد لمستقبل ما بعد النفط، وبناء اقتصاد معرفي أساسه الابتكار والعلم، مع قاعدة ذهبية اجتماعية تقوم على التسامح والتعايش، مع الحفاظ على الأصالة، تضمن لها أكبر نسبة ممكنة من النجاح والصواب.

* كاتبة صحافية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات