المنظومة الليبرالية الخلاص أو الهلاك

يبدو أنّ العالم هو بصدد إعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تهمّ تنظيم العلاقة بين المواطن والمجتمع والدولة، وكذلك بين الدول ذاتها، وذلك بهدف إعادة التأسيس لميثاق اجتماعي وسياسي جديد لاتزال ملامحه غير واضحة بالكامل إلى حدّ الآن.

وبدا من الواضح أنّ جلّ الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، التي حكمت العالم حتّى الساعة، وصلت إلى منتهاها وانكشف فشلها الذريع في تأمين حياة حرة وكريمة للأفراد والمجتمعات.

وإنّ الجدل الذي يُثار الآن في مختلف الديمقراطيات بمناسبة جائحة «كورونا»، مثّل بالفعل مناسبة لطرح تساؤلات جدّية حول الأنظمة الفكرية والسياسية الليبرالية التي تحكّمت على مدى قرنين من الزمان في مصائر الأمم والشعوب.

وفي اعتقادنا، شهد العالم الغربي في السنة 2019 وما سبقها من سنوات قليلة، حدثاً مهمّاً، وهو تنامي الرفض الشعبي والمواطني لأنماط الحُكْمِ السائدة، وقد تجلّى هذا الرفض في دول عدة بشكلين مختلفين، فإما أنه أدى إلى تنامي النزعات الشعبوية واليمينية المتطرفة بجميع أشكالها إلى حد أوصل بعضها إلى السلطة، ومن ذلك ما حصل في النمسا وإيطاليا والولايات المتحدة، أو أنّ هذا الرفض تحوّل إلى حركات احتجاجية، وهي احتجاجات لا سيطرة للقوى السياسية والنقابية التقليدية عليها، ومن ذلك حركة «السترات الصفراء» في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية وغير الأوروبية.

وفِي بعض دولنا العربية والإسلامية وفي «الدول النامية» عموماً، عرفت المجتمعات والدول ذات التداعيات ولكن - تقريباً - في غياب أي جدل أو نقاش أو إرادة من شأنها أن تؤثر على مجريات الأمور فيها.

وتكاد هذه الدول والمجتمعات تكون مسلوبة الإرادة والقرار، ذلك أنّ الإرادة والقرار المستقل يفترضان ويشترطان توفر العلم بالشيء، وهو فيما نعتقد ليس نقطة قوة هذه الدول والمجتمعات.

المهم أن الموجة الثانية لجائحة «كورونا» كانت في بعض الدول والمجتمعات مناسبة جدية لإعادة طرح الأسئلة الكبرى بخصوص طبيعة الأنظمة السياسية التمثيلية ومدى مشروعيتها والقبول بها.

من الواضح أن الدول الغربية عموماً - فضلاً عن الدول الأخرى - فشلت في مواجهة تداعيات أزمة «كورونا» الاقتصادية والاجتماعية، ولم تتمكّن من اتخاذ الإجراءات المصاحبة التي تضمن الأمان الصحي المجتمعي والذي يفترض وضع قيود على حركة الإنتاج الاقتصادي وعلى عمل الأفراد من جهة، وفِي نفس الوقت القيام بالإسناد الكافي للفاعلين الاقتصاديين من أجل المحافظة على إمكانية الانطلاق مجدداً بعد زوال الوباء أو بالتعايش معه بوجود تلقيح أو علاج.

ولعل هذا الفشل أعاد إلى الأذهان أصل المشكل الذي كان سائداً قبل جائحة «كورونا» وهو ذلك الرفض المجتمعي المتصاعد للأنظمة التمثيلية النيابية وللتنظيمات الحزبية والنقابية التقليدية.

وإن الخطر الداهم الذي مثّله تفشي جائحة «كورونا» على استمرارية الدول وعلى تماسك المجتمعات، زاد في منسوب الخشية والريبة لدى القائمين على شؤون هذه الدول من أن تنفلت الأمور إلى أحد احتمالين اثنين، فإما السقوط في مستنقع التطرف والشعبوية، أو الدخول في مرحلة احتجاجات قد لا تنتهي، وهو ما دفعهم إلى تمثّل حلول وقائية لتجنّب السيناريو الأسوأ.

ولا نرى، والحالة هذه، أن ينتصر أصحاب نظرية «الليبرالية المتوحّشة» في فرض رؤاهم، لأن ذلك سيكون سبباً في شتى أشكال الرفض المجتمعي الذي قد يصل مرحلة يستحيل معها ضمان استقرار المجتمعات والدول والأنظمة السياسية.

والأرجح، كما يذهب إلى ذلك عدد من المراقبين، أن آليات التعديل الذاتي للمنظومة الاقتصادية والسياسية الليبرالية ستشتغل من أجل الضمان الذاتي لديمومة المنظومة.

ويتّجه الرأي أن مستقبل المنظومة الليبرالية لن يكون مضموناً إلّا بـ«أنسنة» الأفكار المرجعية التي تؤسّسها، وذلك بإضفاء البعد التضامني على النشاط الاقتصادي، وكذلك بإيلاء المسألة البيئية المكانة الأهم في منوال التنمية الجديد، لتداعيات ذلك على استدامة هذه التنمية وعلى مستقبل الأجيال القادمة.

إن الأساس الفكري الذي انبنت عليه المنظومة الليبرالية التقليدية، هو المكانة المحورية للفرد، وهو ما أدى من جهة، إلى مغالاة غير محسوبة العواقب في الحقوق والحريات الفردية، وإلى جانب ذلك كان الربح المتوحّش والأعمى هو المظهر الثاني لهذه المغالاة، ما أدى إلى ضعف الوعي الجماعي والمجتمعي، وإلى انحلال تدريجي للسلطة والدولة والقانون، ليضيف إلى مختلف الأزمات القائمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية، أزمة جديدة وهي الجريمة المنظّمة، التي أخذت، مع ضعف سطوة الدول والقانون، بعداً مأسوياً يهدّد بالفعل استقرار المجتمعات.

إن العالم في مفترق طريق قد يفتح على الخلاص، وقد يكون سبيلاً سالكاً إلى الهلاك، وأمّا عنّا نحن، فالخراب مضاعف، لأن كل الأزمات تمكّنت منّا، زد على ذلك، غياب الوعي وطغيان الجهل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات