الحلول من غير المتخصصين

الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد هذا العام، قدم، مع زميله، حلولاً جوهرية للبشرية في تطوير المزادات، رغم ما أبداه من أسفه بأنه «لم يشارك في مزاد قط». هذه لفتة مهمة، وهي أنك يمكن أن تقدم حلولاً لتحديات كبرى، حتى ولو لم تكن ضليعاً في هذا المجال.

العالم «روبرت ويلسون» (83 عاماً)، وزميله «بول ميلغروم» (72 عاماً)، ابتكرا أساليب جديدة للمزادات، تصب في مصلحة البائعين والمشترين ودافعي الضرائب حول العالم، حيث صمما مزادات جديدة للسلع والخدمات التي تواجه مشكلة في البيع عبر الوسائل التقليدية، مثل الترددات اللاسلكية وما شابه، وقد لاحظا أن المزاد يولد أسعاراً أعلى، حينما يتوفر لدى المشترين معلومات بشأن العروض التي يخطط لها المزايدون في أثناء صفقات البيع. ولوحظ أيضاً، عبر الأبحاث، أن المشارك العقلاني في المزاد، يميل نحو تقديم عروض سعرية أعلى من السعر المقدر، خشية دفع مبالغ زائدة، وقدما حلولاً لذلك.

الحلول يمكن أن تأتي من أناس غير متخصصين أو ممارسين لتلك المهنة أو «الصنعة». ومخترع المطب الاصطناعي في الطرقات، الفيزيائي «آرثر كامبتون»، لم يكن كذلك متخصصاً في هندسة الطرق، غير أنه قدم عام 1906 م، حلاً بسيطاً للبشرية، خفض به السرعات الجنونية التي لا تنفع معها الوسائل الأخرى. وقد بقي اختراعه لعقود طويلة، دليلاً على قوة فعاليته حتى عصرنا الراهن. وهو مؤشر على أن الحلول لمشكلات مستعصية، قد تكون في غاية البساطة.

المخترع الكويتي، أحمد الحشاش، الذي فاز بأفضل اختراع في العالم، في معرض جنيف للاختراعات (أوسكار المخترعين)، لم يكن مشهوراً أو مولعاً بقيادة الدراجات النارية، لكنه قدم حلاً استحق المركز الأول عالمياً، تفوق به على أكثر من 800 اختراع، كان أصحابها يتنافسون فيها على المراكز الأولى عام 2005. اختراعه تمثل في تقديم سترة واقية (لايف جاكيت)، يرتديها قائد الدراجة النارية، وما إن يتعرض لحادث تصادم أو يسقط من مركبته، حتى تنتفخ هذه السترة، على غرار «الوسادة الهوائية» للسيارات airbag، لكنها تحيط برقبته وقفصه الصدري ورأسه. كان حلاً من شخص غير مولع بقيادة الدراجات. ولو أنه لم يجد من يأخذه على محمل الجد، لما أخذ طريقه نحو جبال الألب السويسرية، حيث معقل معارض الاختراعات العالمية.

ما سبق، يشير إلى أن الحلول لا يجب أن نقابلها بعقبات متعمدة، أو سخرية أو تردد في منح أصحابها جدية الاهتمام. وألا نضع قائمة بالشروط المبالَغ فيها، لمن يحاول أن يقدم لنا حلولاً بناءة. فكم من حل لم يجئ من علية القوم أو أكثرهم خبرة، بل ممن لم يكن يكترث لمكانته الآخرون، أو ربما لحداثة سنه وخبرته. والمتأمل لألعاب الفيديو، وما يجري بها من تطور مذهل في اليابان، تنافس به العالم، يكتشف أن وراءها شبان مبدعون، يحملون أفكاراً إبداعية مدهشة، أحدثت نقلة نوعية في مستويات الإبداع.

حكومة الإمارات، قدمت مبادرة مجتمعية، قبل أيام، ضمن إطار استعداداتها للاحتفال بمرور خمسين عاماً على إنشائها. فأنشأت موقعاً إلكترونياً، يدفع الناس نحو تقديم فكرة يودون تطبيقها في الدولة. كل ما عليهم، اختيار الفكرة، وشرحها، ثم تقديمها عبر رابط uaenext50.ae، بحيث يسهم الاقتراح بوضع بصمة أو حلول للمجتمع. وأنا على يقين بأن هذه المبادرات، سوف تراكم أعداداً هائلة من الأفكار للدولة لتطويرها.

ولحسن الحظ، فإن تلك الأفكار يمكن أن تأتي من غير المتخصصين أو الضليعين في مجال معين. وهذه روعة الحلول عموماً، لأنها في كثير من الأحيان، تتمحور حول فكرة مجردة، ثم يأتي من يطورها ويدرس جدواها.

 

* كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات