فن إدارة الملل

في الأزمنة الثقيلة، حيث الوقت ذو وطأة قاهرة، لا يكون أمام المرء سوى بضعة خيارات يمكنها إصابة هدف أو أكثر في مرمى الملل ومشتقاته التي يتفرّع منها الروتين، والاعتياد الإجباري على الأشياء، والالتزام القهري ببعض التفاصيل والمواضعات التي لا يستقيم بدونها العيش المشترك.

وليست كلّ أزمنة الملل سواء؛ فهو الآن في زمن «كورونا»، وتداعياته المأهولة بالذعر، أشد فتكاً من قنبلة نووية. إنه يستبيح سَكينة الكائن، ويفتّت صبره، ويهدّم دفاعاته، إذ يجعله رهين المحبسين: البيت، والخارج المفخّخ باحتمالات العدوى.

«خليك بالبيت» هو أهون الشرّين. لكنّ البيوت ملّت ساكنيها من فرط الألفة، وصارت ترجوهم أن اخرجوا وارحمونا من هذا المكوث القاسي. صار طموح البيوت أن تتنفس، أن تستلقي على ظهرها في قيلولة خاطفة، أن تخرج إلى الشرفة وتتشمّس، أو أن تلقي التحية على الأشجار والعابرين.

ولكن ماذا في وسع الكائن أن يفعل في هذه القنطرة الرهيبة؟ لا سبيل أمامه سوى الحيلة. وكلما زادت حِيَله قلّ إحساسه بالملل، وانتصر على لُزوجة الوقت. بوسعه، في هذا السياق، أن يعيد الاعتبار للتفاصيل الصغيرة ويحييها؛ بجعلها أساسية في منعطفات يومه، كأن يُصلح، كما يقترح الراسخون في التنمية الذاتية، الأعطال في المنزل، ويجرّب حظه في الطهي، ويُعيد ترتيب الأواني والثياب، ويغيّر طلاء الجدران، ويبتكر لهواً يصلح لسائر أفراد العائلة.

والأهم من ذلك كله أن يكفّ عن الشجار مع زوجته وأبنائه والطير الطاير، وهنا أتوجه إلى معشر الذكور؛ لأنهم في الأغلب الأعم، مثيرو المشاكل، متقلبو المزاج، وهنا أضع وجهاً باسماً بلسان ممدود، كما في الإيموشن!

الملل أصلُ كل الخطايا، والشجار فيروس أشدّ إيلاماً من «كوفيد 19». إنه يحرق الأعصاب، ويستهلك الخير في النفس، ويقتل المودة، ويستجلب الأفكار الشيطانية، ويجعل الأرض «أضيق من مرور الرمح في خصر نحيل».

على الكائن ألا يجعل الملل يقوده إلى عنف مكلف قد يودي بشركائه الحميمين. لذا فإن التخطيط المسبق لكل يوم بيومه كفيل بتلافي الاصطدام مع الآخرين في البيوت المتخمة بقاطنيها في مواسم «الأونلاين» التي تسطّح المشاعر وتنهشها.

فن إدارة الملل يعني المدّ في أعمار اللحظات الممتعة. المشي الذي كان نصف ساعة في الأسبوع، لنجعله ساعة كل يومين أو ثلاثة، ولكل كائن متعه التي يستطيع أن ينعشها ويطيل بهاءها.

هجس بالملل كثير من الفلاسفة والفنانين والأدباء ممن هالهم هذا الثقل الوجودي الذي يرهق كواهلهم ويدفعهم إلى حافة اليأس، فرأوا أن الشيء الذي نشعر تجاهه بالملل هو ذاته الذي كنا نشعر إزاءه بالانبهار. ولعلهم كانوا صادقين إلى حد بعيد؛ فكلنا كان يتمنى الراحة في البيت، وأن يحدث طارئ يعيقنا عن الذهاب إلى العمل. وها هو زلزال «كورونا» يهز أعصابنا كل لحظة، ويحبسنا بين أربعة جدران صرنا بسببها نشتاق إلى العمل في المكاتب، ونأمل ألا تكون هناك عطلة، فنصل الليل بالنهار، فالعمل يقهر الضجر.

وربما لا قرابة وثيقة للملل بالضجر، فالأخير شعور مؤقت متصل بانكسار التوقّعات. أما الملل فزمن عابر للزمن، وذئب جائع يتغذى على البهجات الصغيرة، ويلتهمها بتلذذ، ولا يشبع.

لقد كنت أحب البحر، وما زال يصيبني بالشجن صوتُ نجاة الصغيرة وهي تشرق «أنا بعشق البحر». لكنني حينما أقمت في شقة في بناية مزروعة بالبحر، وصرت أطلّ على الماء من ثلاث جهات كل يوم على مدار سنة، أضحى البحر كبقية الأشياء من حولي، وراح تدريجياً يفقد دهشته وإثارته؛ لأنّ موجاته اختارت السكينة، ولم أرها، إلا لِماماً، تغضب وترجّ الماء بنزقها.

ويمكن أن يكون ذلك حال الصديق والزوجة والحبيبة، إذا رضوا جعل أيامهم لحظات مكرّرة ومتوقعة ونسخاً تتوالد من بعضها بعضاً، كأنّ الخيال استقال من وظيفته.

فن إدارة الملل مهمة شاقة أعيت كاتب هذه السطور، الذي أراد أن يذرف هذه الحروف لعله يقتل الملل الذي ينهش روحه، رغم أنه ملل طارئ قصير الظل، لكنه شديد البأس، فما بالك بالليالي الطويلة التي بلا قمر يؤنس التائهين، أو دهشة تعيد القلب إلى رشده.

لقد كانت مارلين مونرو على حق حين قالت: «من الأفضل أن تكون في منتهى الحماقة، مِن أن تكون في منتهى الملل».

* أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية بدبي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات