مسافرٌ زاده الحذر

في طريقك إلى المطار، أفكار كثيرة تتنازعك. فكّرتَ كثيراً قبل أن تأخذ القرار. هل لأنك لا تحب السفر؟ إطلاقاً، فالسفر من المتع التي تستهويك. مَنْ مِنّا لا يحب السفر؟ لكن السفر لم يعدْ متعة في الزمن الذي تسافر فيه. كنت تحرص على شراء تذكرتك وحجز مقعدك قبل شهور من موعد السفر. في زمن الجائحة اشتريت تذكرتك وحجزت مقعدك قبل يومين فقط من موعد سفرك. موظفة مركز الاتصال في الناقلة التي ستسافر عليها، قدمت لك نصائح وفّرت عليك مبالغ كبيرة كنت تدفعها سابقاً. نقلتك من درجة إلى درجة بمبلغ لم يكن يخطر ببالك. قالت لك إنك تستطيع تغيير موعد سفرك أكثر من مرة خلال شهرين من الآن دون أن تدفع رسوماً. هذا لم يحدث خلال أسفارك السابقة كلها.

في طريقك إلى المطار كنت ترتدي قناعاً يغطي نصف وجهك مخفياً معالمه. في الذاكرة وجوه لخاطفي طائرات كانوا يرتدون أقنعة ليخفوا وجوههم. انتهت منذ سنوات موجة خطف الطائرات التي كانوا يسمونها عملياتٍ فدائية. أصبح الفدائيون رؤساء منظمات وقادة فصائل ورجال أعمال يتاجرون بكل شيء حتى قضايا أوطانهم. تضحك في سرك؛ هل أصبحت أنت الذي كانوا يسمّونك برجوازياً مناضلاً، وأصبح المناضلون هم البرجوازيين؟ لو كان كارل ماركس حياً لكفر بكل النظريات التي وضعها، وتأسست عليها دول عظمى انهارت وتفككت قبل اكتمال سبعة عقود على تأسيسها. تعود من أفكارك هذه على صوت السائق ينبّهك إلى أنكم قد وصلتم المطار. خارج المطار يستقبلك حاملو الحقائب يرتدون أقنعة مثلك. تطمئن إلى أنك لست إرهابياً، لكنها قوانين الجائحة التي فرضت على الجميع ارتداء الأقنعة.

في طريقك إلى ركوب الطائرة تمرّ بإجراءات السفر المعتادة، تحاول أن تخفّف من قلقك، فموظفة شركة الطيران التي تنهي لك الإجراءات تتعامل معك بشكل طبيعي، وإن كان من خلف قناع أيضاً. صحيح أن موظف الجوازات طلب منك أن توقّع ورقة تتعهد فيها بأشياء لم تكن تتعهد بها سابقاً لكن هذا إجراء لحمايتك، وموظفو الأمن الذين يفحصون الحقائب التي يحملها المسافرون معهم داخل الطائرة اكتفوا بفحص حقيبتك عبر الأجهزة، ولم يطلبوا منك فتحها مثل مرات كثيرة. ربما بدت لك استراحة مسافري الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال أقل ازدحاماً، لكن هذا يحدث في بعض المواسم حتى قبل انتشار الجائحة. عند البوابة المخصصة للرحلة التي ستسافر عليها كان موظفو شركة الطيران في انتظارك. اختفى ذلك الزحام الذي كنت تضطر معه إلى الانتظار حتى يدخل كل المسافرين لتكون المسافر الأخير الذي يدخل الطائرة.

داخل الطائرة يتملكك شعور غريب يتجاوز القلق. هل هو الخوف أم ماذا؟ تستعيد كل ما قرأته وسمعته عن مخاطر السفر بالطائرات في زمن الجائحة. تستعيد مناظر الطائرات التي ظلت جاثمة على مدارج المطارات شهوراً. لكن هذه الصورة تبدلت وعادت الحركة إلى المطارات مرة أخرى. تطرق رأسك فكرة الفدائي الذي تمارس دوره هذه المرة بركوب طائرة في زمن الجائحة. تطرد الفكرة متسلحاً بإيمانك والإجراءات الوقائية المشددة التي تتخذها شركات الطيران لحماية طواقمها والمسافرين على متن طائراتها. تجلس على مقعدك وقليل من القلق ما زال يخالجك. تسألك المضيفة إن كنت تريد أن تتناول وجبة الإفطار بعد الإقلاع فتشكرها مبدياً عدم رغبتك. أين ذهبت شهيتك التي كانت تنفتح في الطائرات رغم عدم جاذبية الطعام المقدم غالباً؟ تردد دعاء السفر وكل الأدعية التي تحفظها والطائرة تأخذ طريقها على مدرج المطار، قبل أن تقلع متخذة طريقها إلى البلد الذي أنت ذاهب إليه. لم يعد هناك مجال للتفكير في إلغاء السفر.

سبع ساعات تقريباً كان زمن الرحلة التي تستعيد خلالها تدريجياً رباطة جأشك. تطلب من المضيفة قبل الوصول وجبة الغداء التي كنت تفكر في أن تمتنع عنها أيضاً في بداية الرحلة. تبدو الوجبة مختزلة في طبق واحد من الطعام وقطعة كيك. لا تكترث كثيراً لكمية الطعام أو جودته. تتمتم بينك وبين نفسك، وأنت تربط الحزام استعداداً للهبوط: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا». تستعد للخروج من الطائرة بعد هبوطها. هل اجتزت حاجز الخوف من السفر في زمن الجائحة؟ هذا لا يعني أنك لن تكون مسافراً على حذر.

*كاتب إماراتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات