دور القيادات الدينية في تعزيز السلم

السلام مطلب إنساني عالمي، لا غنى للمجتمعات عنه، لتعيش آمنة مطمئنة، هانئة بالرفاهية والحياة الكريمة والاقتصاد المتين، لا يكدِّرها خوف ولا فزع، ولا ينغِّص عيشها حروب وصراعات، ويقع على عاتق القيادات الدينية في هذه المجتمعات مسؤولية كبيرة في تحقيق هذا المطلب، باعتبار أدوارها المؤثرة وتخصصها في المجال الديني الذي هو محل عناية في هذه المجتمعات.إن الأدوار المنوطة بالقيادات الدينية كثيرة.

ومن أهمها التأكيد على الخطوط الحمراء التي لا يجوز للفرد في أي مجتمع تجاوزها مع أي أحد كان، ومن أهمها حفظ الأنفس والأعراض والأموال، وتقرير حرمة النفس الإنسانية تحريماً مطلقاً، والتأكيد على أن البشر متساوون في هذا الحق الأصيل المكفول لهم، ونجد في القرآن الكريم قول الله تعالى: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}.

وذلك يقتضي منهم ترسيخ ثقافة الإدارة الحكيمة للخلافات لدى الأفراد، سواء كانت اختلافات بين أديان أو مذاهب أو آراء دينية، وأن ذلك كله مقيد بعدم تجاوز الخطوط الحمراء، واحترام الجميع لحقوق بعض، وإذا كان التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل في أمور المعتقد، كما في إعلان اليونسكو بشأن التسامح.

فإن التمسك بالمعتقد أيضاً لا يعني هدر حقوق المخالف والاعتداء عليه، ونجد في القرآن الكريم نصوصاً كثيرة تقرر ذلك، منها قول الله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}، فمن تمام القيم الرفيعة البر والعدل مع المخالف في المعتقد، وفي ذلك ارتقاء بالنفس وترويضها على انتهاج قيم الخير والسلام في العائلة الإنسانية مبتغياً في ذلك مرضاة الله تعالى.

وإن معالجة الانتهاكات التي قد تقع في هذا الميدان تحتاج من القيادات الدينية إلى معالجة دينية وأخلاقية، ابتداءً من تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تحرض على هذه الانتهاكات ومروراً بتهذيب الأخلاق وتكريس قيم الفضائل الذاتية التي تصب في نطاق مكافحة التعصب للرأي عموماً، واقتلاع جذوته المشتعلة من النفوس.

ومما يدعم ذلك بناء جسور التواصل والتعارف بين الناس، كما قال تعالى: {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}، سواء كان ذلك في نطاق المجتمع الواحد بين أبنائه المختلفين في العقائد والمذاهب، أو في نطاق المجتمعات المختلفة، والانطلاق نحو آفاق أوسع من التعاون المشترك والتكافل الإنساني، وقد أظهرت أزمة «كورونا»، التي لا تزال تهدد العالم اليوم، أن المجتمعات البشرية في سفينة واحدة، وأن على أبنائها أن يتعاونوا فيما بينهم للمحافظة عليها، في ظل التهديدات العالمية العديدة التي تواجه الجنس البشري وكوكبهم الأزرق، من تهديدات بيولوجية ومناخية وتداعياتها على الموارد المائية والغذائية.

وكذلك مشكلات اجتماعية من فقر ومجاعة وأمراض وأمية، وتهديدات للقيم الإنسانية والأخلاقية، والجرائم المنظمة العابرة للحدود، من متاجرة بالمخدرات والاتجار بالبشر وجرائم الفساد وغيرها، فمعالجة هذه المهددات تحتاج إلى تعزيز الجهود المشتركة بين أبناء العائلة الإنسانية، وقد أكد نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) هذا المبدأ بقوله: «شهدتُ غلاماً مع عمومتي حِلف المطيَّبين، فما يسرني أنَّ لي حُمْر النَّعَم وأني أنكثه»، وهو حِلف عقدته قبائل من قريش قبل الإسلام على التناصر والحماية والأخذ بيد المظلوم من الظالم.

ومن أهم ما ينبغي على القيادات الدينية، عدم استخدام الدين لتأجيج الصراعات والتحريض على العنف وإحداث الفوضى في المجتمعات، والإسهام في إنهاء الصراعات ومكافحة الطائفية والتعصب، وتعزيز قيم المواطنة الصالحة، والتصدي لخطر الإبادة الجماعية وجرائم التطهير العرقي وتصفية الأقليات، وجرائم الكراهية، وهي إثارة الفتن والنعرات والاعتداء بالعنف على الآخر بسبب العرق أو الدين أو اللون أو الأصل الإثني، وكذلك التصدي للأيديولوجيات المتطرفة، التي تقوض التعايش السلمي.

كما يتمثل دور القيادات الدينية في أن يكونوا مصدر إلهام للآخرين في ممارسة القيم الإنسانية المشتركة في الحياة العامة مثل الرحمة والعدل والصفح والبر والإحسان. إن إرساء دعائم السلام في المجتمعات مسؤولية مشتركة، وغاية يطمح إليها كل عاقل، للارتقاء بالحاضر، والانطلاق المزهر نحو المستقبل.

* رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات