الذاهبون إلى النسيان والمقيمون في الأبد

القانعون بأنّ الذهب يلمع ولو كان تحت التراب، لا يراهنون على عبث المخيلة واحتمالاتها المضلّلة. إنهم يذهبون إلى أقاصي السرّ، ويُميطون الغبار عن الجوهرة.

ولو أنّ الزمان جارَ على موهبة، فليس يعني أنه أهملها وقذفها نحو النسيان. لا يذهب إلى النسيان إلا كلُّ ما هو عابر وطارئ وسريع الزوال. أما المقيم في الأبد فهو جارُ الخلود، يبقى ويتجدّد ويلمع كثغر وردة فاجأها الندى.

كان الكاتب الأمريكي فرنسيس سكوت فيتزجيرالد (1896 - 1940) واحداً من تلك القلة التي راهنت على موهبتها ولم تخضع لمزاج السوق، مع أنه لو فعل لما أمضى حياته في ضياع، ولما أضحى فريسة الخمر والقلق، فيما أمضت زوجته الروائية الحسناء «زيلدا» أيامها الأخيرة في مصحّ بمستشفى هايلاند للأمراض العقلية في آشفيل بكارولينا الشمالية.

ولا غرو أن يصف الروائي آرنست همنغواي موهبة فيتزجيرالد بأنها «طبيعية مثل لوحة صنعها الغبار على أجنحة فراشة».

بعد رحيله المأساوي، كما أبطال رواياته، عاد الاهتمام بأعمال فيتزجيرالد من جديد، بعد الحرب العالمية الثانية، بالغاً ذروته في عقد الستينيات من القرن الماضي، حيث تم الاعتراف به كواحد من أهم أدباء القرن العشرين، وذلك لما تضمنه إرثه الأدبي من محاولات سبر أعماق النفس البشرية، وتطرقه لمفاهيم الطموح والعدل والمساواة التي بوّأته مكانة مرموقة في لائحة روائع الأدب الأمريكي.

ومن بين أعماله التي جرى تصنيفها ضمن الأدب الخالد روايته «غاتسبي العظيم» التي يتحدث فيها عن جنون الحياة الأمريكية واهتمامها الفائق بالزخارف والثراء، حتى لو كان ثراء مصطنعاً ومفاجئاً كثراء غاتسبي الذي كان «مالئ الدنيا وشاغل الناس» فقدّمه فيتزجيرالد بطريقة عميقة وآسرة جعلت من روايته التي لم يعبأ بها أحد، لحظة كتابتها، «واحدة من الكلاسيكيات العظيمة في القرن العشرين» لما تميزت به من مهارة فائقة وجمال شاعري، وقسوة وسحر ورومانسية وصوفية جعلتها أقرب إلى الأسطورة.

وتمّ تصوير الرواية سينمائياً خمس مرات، كان آخرها وأشدّها إمتاعاً الفيلم الذي يحمل عنوان الرواية ذاتها، عام 2013، بتوقيع المخرج باز لورمان الذي كتب النصّ أيضاً، في حين أدى دور البطولة باقتدار وفتنة وغموض ليوناردو دي كابريو وتوبي ماغواير.

في الفيلم، كما في الرواية، يضعنا فيتزجيرالد في قلب المشهد الخارج من حمّى الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، حيث عالم المشاهير والأثرياء والبذخ والانتعاش الاقتصادي والثورة على كل شيء: القيم، والمواضعات الاجتماعية، الانفتاح الجنسي، الإفراط في العلاقات العاطفية، الإقبال على الخمر، لا سيما المشروب الذي ذاع صيته آنذاك «الجِن».

قدّم لورمان شخصية «غاتسبي» على نحو مركّب وغامض، ويبدو أنه قرأ حروف فيتزجيرالد بعمق، وأدرك التماهي الخفي بين الشخصية وكاتبها، فراح يُضفي على غاتسبي سحراً وفتنة على نحو غير محدود.

وما لاحظته في الفيلم أنّ ليوناردو دي كابريو استلهم هو أيضاً روح غاتسبي كما كتبها صاحبها الذي أنفق من خياله وجهده كي يرصّع صورة بطله بالتفاصيل والحيثيات، ويرسم مساراتها النفسية، ويشتغل بجهد على أن يجعلها معبّرة عن جموح تلك اللحظة الأمريكية وعصيانها.

كان «غاتسبي» متغطرساً وطيباً في الوقت نفسه.. فائق الأناقة في لباسه وحركته، ومفرط البساطة في تصرفاته.. وكان يدرك حجم الزيف الذي يغمر روح المكان من حوله، حيث الوجوه المنافقة، والقلوب الغارقة في الانتهازية وانتزاع اللذة من دون أي ضوابط أخلاقية.

يُقبل غاتسبي على تلك الملذات بنهم وشراهة، لكنّ الإنسان المتواري في داخله لا ينكشف إلا في لحظة الحب، وهي لحظة يشاء الكاتب أن تكون لحظة تنافسية فيها مقدار عالٍ من الحنين، وفيها رغبة لانتزاع المرأة من أحضان زوجها، حتى لو كان الموت هو الثمن. كانت لدى غاتسبي عاطفة مشبوبة تجاه المرأة التي أحبها، وأطاحت شموخه، لكنها لم ترضَ أن تذله حتى وهي في موازنة حارقة وحمقاء ومجازفة مع زوجها.

يضيء لها المصابيح ليلاً كي تدرك أنه ينتظرها، من على الضفة الأخرى من الشاطئ، حيث منزلها الأنيق الذي لا يقارن أبداً بمنزل غاتسبي الأسطوري الذي احتضن وجوه زمن الجاز ونخبه العريضة، وتلك كانت لحظة شاعرية أراد المخرج أن يقحمنا من خلالها في جماليات شغف مدمّر، قطباه رجلان فائقا السلطة يتنازعان على قلب امرأة حائرة بين استقرار شكلي مع رجل لا تحبه، وبين عاطفة مشبوبة ومجنونة مع فتاها الذي رصّع قلبها بالولهِ والصبابةِ.

*أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية بدبي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات