تونس في وجه الإرهاب

يعود الإرهاب ليطل برأسه الأسود مجدداً في تونس، ليستهدف بلاد الياسمين هذه المرة من نافذتها الساحلية، مدينة سوسة ذات التاريخ العريق الضاربة جذوره في عمق ثلاثة آلاف عام.سوسة ليست عاصمة سياسية، وليست مقراً أمنياً أو عسكرياً، لنفترض أن استهدافها يأتي في سياق صراع أمني، إنما هي مدينة سياحية وثقافية يسميها التونسيون «جوهرة الساحل»، إذ إنها مركز منطقة الساحل التونسي.

هنا مربط فرس الإرهاب والكامنين خلفه في الظلام. إنهم يضربون كل شريان يضخ في البلاد دماء الحياة الاقتصادية والثقافية، لأن جوهر رسالتهم السوداء قائم على ضرب استقرار الدول المستهدفة وجعلها مشغولة بنفسها على الدوام، فلا تكون قادرة على أن تواصل شق طريق التنمية وتأمن فتح نوافذ النور المواكبة للتحوّل الديمقراطي.

وفي هذه الأجواء نستذكر الهجوم الإرهابي على متحف باردو في إحدى ضواحي تونس العاصمة منتصف نهار 18 مارس 2015، حين اقتحم مسلحون بهو البرلمان التونسي والمتحف التاريخي «باردو» مخلّفين 24 قتيلاً، مع احتجاز نحو 200 سائح قرابة 4 ساعات.

متحف باردو هو ثاني متحف في العالم في فن الفسيفساء، ويضم آلاف اللوحات التاريخية التي تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد. فهل من هدف أمني يخدمه عمل كهذا؟

بعد الزراعة تعتمد تونس في اقتصادها على السياحة، وحين يستهدفها الإرهابيون فإنهم يتقصّدون ضرب العصب الاقتصادي، وحين يصاب هذا العصب بالعطب تتضرر الفئات الشعبية بالدرجة الأولى، ومع الاستهداف الأشمل لاقتصاد بلاد مواردها محدودة، تصبح خيارات الحياة ضيّقة، وتتحول الطبقات الوسطى إلى فقيرة، والطبقات الفقيرة أشد فقراً، وهم يرمون بذلك لدفع الجيل الشاب نحو أحد خيارين، إما الانتحار أو الارتماء في أحضان الإرهابيين، والتحوّل إما إلى أدوات تدمير في الداخل، أو مرتزقة لخدمة مشغّلين في أماكن أخرى.

هذا النهج كان أكثر قدرة على الخداع في بدايات ما يسمى «الربيع العربي»، لكنه بات الآن مكشوفاً، والقوى الظلامية لم تعد تملك الكثير من الوسائل لمغادرة الظلام، فتلجأ لعمل يائس هنا أو هناك، لكن في النهاية مآربهم فاشلة، لأنه لا يصح إلا الصحيح.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات