وحدهم العقلاء يكسبون الرهان

«إنني على استعداد لأن أذهب إلى آخر الأرض، إذا كان ذلك سيمنع إراقة دم جندي واحد من أبنائي.. ستُدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم، إنني مستعد لأن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته، ومناقشتهم».

هل كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات يفجر قنبلة وهو يخطب في مجلس الشعب المصري يوم التاسع من نوفمبر عام 1977، أم أنه كان يمنع انفجار المزيد من القنابل وهو يضرب بقبضته على الطاولة التي أمامه في ذلك اليوم، والخطاب منقول على الهواء مباشرة إلى كل بيت؟

تداعيات الخطاب كانت زلزالاً في إسرائيل، ودهشة وإعجاباً في أنحاء كثيرة من العالم، وصدمة وذهولاً في العالم العربي. ممن أصيبوا بالذهول كان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات آنذاك، الذي كان حاضراً في مجلس الشعب أثناء إلقاء الخطاب، ووجد نفسه يصفق لا شعورياً مع أعضاء المجلس، وهو لا يعلم أنه سيتراجع عن هذا التصفيق بعد حين.

في حدود فهمنا، نحن الطلبة العرب الدارسين في مصر تلك الأيام، لم يصدق أحد منا أن الرئيس السادات كان يقصد ما يقول. خُيِّل إلينا أن إسرائيل نفسها لن تصدق ما قال. ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن، التقط طرف الخيط، ووجه إلى السادات دعوة رسمية لزيارة القدس، وما كان خيالاً لحظة استماعنا إلى الخطاب، بدأ يأخذ طريقه نحو الحقيقة.

حاول السادات أن يقنع شركاءه العرب في الحروب السابقة مع إسرائيل، بالذهاب معه للتفاوض حول استرداد حقوقهم وأراضيهم المحتلة من دون جدوى. طار إلى دمشق واجتمع بشريكه في حرب أكتوبر، الرئيس حافظ الأسد، ولكن الرفض كان هو ما قوبل به.

ويوم التاسع عشر من نوفمبر وصل الرئيس السادات والوفد المرافق له إلى القدس، حيث جرى له استقبال حافل، اجتمع فيه كل الذين حاربهم السادات وحاربوه على مدى سنوات. كانت هناك جولدا مائير، وموشي دايان، وكل الوجوه التي كنا نشاهد صورها في الصحف وعلى شاشات التلفاز.

ويوم العشرين من نوفمبر، ألقى السادات خطاباً في الكنيست الإسرائيلي، كان مما قاله فيه: «هناك أرض عربية احتلتها، ولا تزال تحتلها، إسرائيل بالقوة المسلحة، ونحن نصرّ على تحقيق الانسحاب الكامل منها، بما فيها القدس العربية».

وعندما عاد إلى القاهرة استقبله الشعب المصري في الشوارع، ومن خلال شاشات التلفاز وأجهزة المذياع التي كانت أصواتها تعلو في مقاهي القاهرة، سمعنا الفنان سيد مكاوي يردد من كلمات الشاعر كمال عمار: «كان قلبي معاك طول ما انته هناك.. ناطق وياك بإيمان وثبات». وكانت أغنية مكاوي «تعيش يا سادات» من الأغنيات التي احتفظت بها الذاكرة من أيام الدراسة في مصر.

تشكلت جبهة الصمود والتصدي من بعض الدول العربية بدعوة من الرئيس الليبي معمر القذافي، واتخذت قرارها بتجميد علاقاتها الدبلوماسية بجمهورية مصر العربية. ثم تحولت الجبهة إلى كيان سياسي يهدف لملاحقة مصر وعزلها عن عالمها العربي. واستطاعت أن تنتزع قراراً بطرد مصر من الجامعة العربية بعد توقيعها اتفاقية «كامب ديفيد» مع إسرائيل.

غير أن الجبهة لم تصمد طويلاً وانهارت، لتعود مصر إلى الجامعة العربية، ويعود العرب إلى حضن مصر التي استعادت أرضها من إسرائيل، بينما فقد الذين ناصبوا مصر العداء، أرضهم وكراسيهم وهيلمانهم وكرامتهم.

شريط طويل من الذكريات يمر أمام أولئك الذين عاصروا تلك الأحداث وعاشوها بعقول لم يكن بعضها يستوعب ما يجري، ورأوها بعيون لم تكن تتوقع ما حدث بعد ذلك، وتفاعلوا معها بمشاعر كانت بكراً في ذلك الوقت. كبرنا معها وكبرت معنا، وكنا كلما نكبر عاماً نرى آمال العرب تصغر، وأحلامهم تتقلص، ويقبلون بالحد الأدنى من مطالبهم.

الذين رفضوا مبادرة السادات وقّع بعضهم بعد ذلك مع إسرائيل اتفاقات أعطتهم أقل مما كان يمكن أن يأخذوا لو أنهم استمعوا إلى السادات وقتها، ولم يسترجع بعضهم الآخر شبراً من أرضه المحتلة حتى اليوم. تمزقت أوطان البعض منهم، وتشردت شعوبهم، وتراجعت مكاسبهم، وزادت خساراتهم. واليوم بعد كل هذه العقود من الزمن، نقف متسائلين: ماذا كسبوا من العناد؟

التاريخ لا يعيد نفسه.. التاريخ يترك الذين لا يستوعبون الدروس خلفه. وحدهم العقلاء الذين يتخذون القرار الصحيح في الوقت الصحيح هم الذين يكسبون الرهان.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات