كشف المستور في تمويل «النهضة» التونسية

بدأت الأحداث في تونس تأخذ منحى جديداً وخطيراً، وقد تكون التطوّرات الأخيرة مؤشّراً مهماً على قُرْبِ حدوث تغيير فعليّ من شأنه أن يقلب موازين القوى في المشهدين الحزبي والسّياسي، إذْ ولأوّل مرّة منذ استقلال تونس في سنة 1956، يجد حزب حاكم نفسه في مواجهة القضاء من أجل شبهة «تبييض الأموال».

فَقَدْ أعلن محمد عبّو، وهو الوزير المعتمد لدى رئيس الوزراء، المكلّف بالإصلاح الإداري في حكومة تصريف الأعمال المنتهية مهامها، وفي نفس اليوم الذي تمّت المصادقة فيه على الحكومة الجديدة في تونس، أنّ شبهات عديدة وجدّية تحوم حول تمويل حركة «النهضة»، وأنّه أحال الملفّ برمّته إلى القضاء الذي سيبتّ فيه تحقيقاً وحُكْماً.

ومعلوم أنّ محمّد عبّو كان الأمين العام لحزب «التيّار الديمقراطي» وهو حليف لـ«النهضة» في الحكومة المستقيلة قبل أنْ يدبّ الخلاف في تحالفهما جرّاء الموقف من حكومة إلياس الفخفاخ المستقيلة، وقد كان محمّد عبّو وحزبه، من أنصار الإبقاء على هذه الحكومة، في حين أنّ «النهضة» كانت مصرّة على إنهاء مهامها.

ولعلّ ما يُكسب الحدث أهميّة مضاعفة، هو أنّه للمرّة الأولى توجّه جهة رسمية حكومية تُهَماً بمثل هذه الخطورة لحزب حاكم يقود الأغلبية المشكّلة للحكومة، بعد أن كانت هذه التّهم ولسنوات، حديث مكوّنات المشهد السياسي والمجتمع المدني وعدداً من المنظمات الأهلية الحقوقية.

ومن المهمّ التذكير بأنّ القانون التونسي يمنع الأحزاب من التمويل الخارجي، غير أنّ بعض الأحزاب وتحديداً «النهضة» الإخوانية وجدت ضالّتها في «قانون الجمعيات» الذي يسمح بمثل هذا التمويل، وهو ما يعتقد الجميع في تونس أنّه سهّل عملية تمويل نشاطها بصورة غير مباشرة.

ويرتّب القانون التونسي على تُهَمِ خرق مقتضيات قانون الأحزاب، عقوبات قد تصل إلى حلّ الحزب المخالف.

وقد لن نُضيف الكثير إذا قلنا إنّ أحد الأسباب الرئيسية لتمكّن «النهضة» من بسط نفوذها على المشهدين الحزبي والسياسي في تونس، هو الإمكانيات المالية الضخمة التي هي موضوعة على ذمّة الحركة، وهي إمكانيات ساهمت في تَمَوْقعِ هذه الحركة في المشهد السياسي التونسي، رغم أنّها لا تمتلك في الأصل حاضنة شعبية واسعة.

وقد نجحت «النهضة» حتّى الأسبوع الأخير، في التهرّب من المساءلة القضائية وأمام البرلمان بخصوص هذه التجاوزات، ولكنّها الآن مطالبة بمواجهة حقيقة هذه الاتهامات أمام القضاء وأمام الرّأي العام التونسي.

ومعلوم أنّ «النهضة»، كما بعض الأحزاب الأخرى، استبسلوا في الدفاع عن حقّهم في التمويل دون قيود، ولكنّ المجتمع المدني الأهلي التونسي تصدّى بكلّ قوّة لهذه المحاولات، ونجح، بفضل الضغوطات التي مارسها، في مَنْعِ جواز التمويل الخارجي للأحزاب، لكنّه لم يستطع، في المقابل، فرض ذات الشّيء في «قانون الجمعيات والمنظمات الأهلية»، وهو ما مثّل ثغرة تسلّلت منها الأحزاب مستفيدة بذلك من التمويل غير المباشر لنشاطها.

وما قد يزيد وَضْع «النهضة» الإخوانية تأزّماً هو خطاب رئيس الجمهورية التونسي بمناسبة أداء الحكومة الجديدة القسم، حيث ألمح في مرّات عدّة إلى أنْ «لا أحد أو جهة فوق القانون»، وهو ما فهمه المتابعون على أنّه إشارة واضحة لحركة «النهضة» ولحليفها في الحُكْمِ، حزب «قلب تونس» الذي يرأسه المرشّح السابق لانتخابات الرئاسة نبيل القروي والمتعلقة بذمّته أيضاً قضايا عدة.

هذه التهديدات قد تأخذ منعرجاً جدّياً، رغم أنّ الرئيس لا يمتلك دستورياً الوسائل الكفيلة بتنفيذها، وهو مضطرّ من أجل ذلك إلى المرور عبر الحكومة، التي بدأت هي الأخرى تحوم المخاوف بشأنها بعدما تردّد من إمكانية تحالف خفيّ بينها و«النهضة».

والمهمّ أنّ المشهد السياسي التونسي مُقْبِلٌ على تغييرات كبيرة، وقد تكون نوعية، وهي تغييرات سيتحدّد مداها وأهمّيتها بحسب مواقف الحكومة الجديدة التي يرأسها هشام المشيشي من مساءلة «النهضة» أمام القضاء والرّأي العام.

حركة «النهضة» الإخوانية لم تنجح أبداً في اختراق جدّي للمجتمع التونسي، ولَم تستطع بالتالي تحقيق الاندماج المجتمعي، رغم نجاحها النسبي في التمكّن من مفاصل الدولة والإدارة، وهو تمكّنٌ كانت ترى فيه - وإلى جانب إمكانياتها المادية الضخمة - أداتها وسبيلها إلى كسب وِدِّ مجتمع تونسي استعصى عليها بسبب تجذّر السلوك المدني والحداثي فيه.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات