التطور المعرفي في الشرق الأوسط!

التطور سنة كونية، تشمل كل شيء مادي ملموس، أو معنوي محسوس، فالعلم والمعرفة في تطور دائم، والعقل البشري لوغوس، أي خزان يتسع كما قال الفلاسفة قديماً، والعلاقات الإنسانية تتطور دائماً لتحقق نتائج إما إيجابية أو سلبية، كما قد تنتهي تماماً إذا انتهت المصالح، والحضارة الإنسانية لم تزدهر في أي يوم إلا في العصور التي ساد فيها السلام وتصفّت تفاصيلها من دواعي الحروب والأحقاد.

والتطور في المعرفة، شأنه شأن كافة ما يرتقي بالحضارة الإنسانية، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتدعيم البنى التحتية لمنظومة السلام، والملاحظ أن ثمة فجوة هائلة لدى منطقة الشرق الأوسط ومثيلاتها من دول العالم الغربي والأوروبي من حيث أن الاستقرار والتوافق في العلاقات مع الآخر تلعب دوراً رئيساً في تحقيق أهداف التنمية، وإحداث تطوير ملموس على صعيد النظم المعرفية التي يعيش العالم فعاليتها، وسوغت نقل أدوات التكنولوجيا إلى منطقة الشرق الأوسط.

وتلك الفجوة بين تحقيق تطور معرفي وبين الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط هي نتيجة حيوية لنزعة العداء مع الآخر التي تستهلك تفاصيل المجتمع ومؤسساته، وتحذو به وبها نحو التصعيد دائماً نحو التطور السلبي في المعرفة، ولأجل تدارك هذه الفجوة يجب أن تحل النزعة الإيجابية في العلاقات التي تربطنا مع الآخر بديلاً للنزعة السلبية، فالنزعة الإيجابية ستضمن لنا نوعاً من الرخاء النفسي والصفاء الذهني، فننشغل بالمستقبل ومتطلباته، ونهتم بالتطور المعرفي الذي يسير العالم في سياقه، ويعيش تفاصيله، بدلاً من النزعة الاستهلاكية التي تسيطر على تفاصيل معظم المجتمعات الشرق أوسطية.

لن يحدث التطور المعرفي في دول الشرق الأوسط، بل وفي دول العالم بأسره، إن لم يَسُد السلام والتسامح بديلاً للكراهية، ونزعات الحروب، التي تسير فيها الكثير من الدول ظناً منها أنه خيار وحيد، أجدى من بديل السلام والتسامح، والدعوة إلى الحوار الذي ترى أنه يشي بضعفها، ثم تنتهي بمآسي لا تمحو آثارها على المدى البعيد.

التطور المعرفي في الشرق الأوسط يقتضي تحديث لمنظومة القيم، وتحديث للبنى التحتية للمؤسسات البحثية، وتأهيلها بما يتناسب مع متطلبات عصر المعرفة، والحث على الإنتاج النوعي في مخرجات المؤسسات العلمية والمراكز البحثية، بما يتوافق مع احتياجات البشرية، ويسهم في التعزيز من الجهود الرامية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

ولا بد من ضمانات تسوغ للتطور المعرفي في دول الشرق الأوسط أن يتحقق، وتمثل هذه الضمانات بتسويغها حافزاً للأفراد في المؤسسات العلمية والمراكز البحثية زيادة الإنتاج النوعي والسعي إليه في تفاصيل العملية البحثية في مختلف العلوم والمعارف، وهذه الضمانات هي تعزيز وتدعيم البنى التحتية لمنظومة البحث العلمي، وتعزيز قوانين حقوق الملكية الفكرية وربط براءات الاختراع المحلية بالسياق العالمي.

ومن الجيد القول، إن دول منطقة الشرق الأوسط لا تتساوى حقاً في موضوع الحضور والغياب في تفاصيل التظاهرة المعرفية التي يعيشها العالم، فثمة من يشهد له العالم بتطوره منها، وثمة من ليس له ذكر في هذا الشأن لولا القليل من الإنتاج والكثير من الاستهلاك.

ونضرب مثلاً حيوياً لذلك لكنه بضد يمكن المقارنة بينهما لتبيين مدى التطور ومدى الكساد، فلدينا منتجات دولة إسرائيل المعرفية، ولدينا منتجات الدول العربية المعرفية، وحيث إن براءات الاختراع، هي المؤشر الأكثر تبايناً بين دول الشرق الأوسط عموماً، نجد أن إسرائيل لوحدها سجلت ما مقداره 16805 براءات اختراع حتى 2015، وقد أفادت تقارير منظمة اليونيسكو أن عدد براءات الاختراع التي سجلت في إسرائيل في العام 2008 والتي تبلغ 1166 تفوق ما أنتجه العرب بتاريخ حياتهم.

إن هذا مجرد مثال بسيط على الفجوة الهائلة التي تفصل بين معظم شعوب الشرق الأوسط وبين تاريخهم الذي يعتدون به، وبعضهم غارق في وهم أنه يعيشه، التاريخ البعيد لأجدادهم الذي مثل مناراً معرفياً للعالم في تلك العصور لكنهم عنه بمنأى، وبدلاً من التوهم التصعيدي المستمر، الذي تعيشه مجتمعات كثيرة في الشرق الأوسط، يجب أن ننخرط في فعالية الحاضر المعرفية التي يعيشها العالم، وليكن التنافس شعار الحاضر والمستقبل، وليكن الماضي المعرفي لأجداد هذه المجتمعات ملهماً لأبنائها في السير قدماً نحو المعامرة وبناء الحضارة الإنسانية بدلاً من دعوى المؤامرة والانشغال بها.

في الختام، أؤكد أن العصر المعرفي، الذي نعيش فعاليته اليوم، يؤكد أن البقاء سيكون للأكثر قابلية للتأقلم مع متغيرات العصر، الأكثر استجابة لدواعي المعرفة ومتطلباتها، الأكثر تكيفاً معها، الأكثر اجتهاداً في التعلم والإنتاج، والأكثر حباً وسلاماً. وللحديث بقية.

* خبيرة اقتصاد معرفي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات