التحقيق الإداري

سألت موظفاً عن أسوأ موقف تعرض له. فقال إن عميلاً جاء إليه في المصرف لإجراء معاملة، فتحدث معه بازدراء ثم رمى على «الكاونتر» بطاقة الهوية، التي انزلقت بسرعة لتضرب صدر الموظف وتسقط على الأرض.

هنا جن جنون الموظف، الصغير آنذاك، فقال للعميل: هذه قلة أدب! قم أنت واحضر البطاقة بنفسك ولا تلقي بها عليّ بهذه الطريقة مرة أخرى. غضب العميل ثم تفوه بكلام غير لائق، فلم يتمالك الموظف نفسه فأمسك بتلابيب العميل ثم بدأت المشاجرة على مرآى ومسمع الناس في الفرع. وفي ثوانٍ تدخل الأمن وآخرون في محاولة لتهدئة الأمر.

فجاء المدير وحاول حل المشكلة. بعد ذهاب العميل استدعى المدير الموظف الذي لم يمضِ عامين في البنك، وقال له: «فعلت اليوم كارثة بكل المقاييس! مهما كانت طبيعة تهجم العميل اللفظي، لا يمكن أن تمد يدك على أحد في هذا المكان».

وأضاف «يمكن أساعدك في أي شيء وأتجاوز عنك إلا في هذا التصرف، لأن كاميرات المراقبة قد رصدت كل شيء، وأنك من بدأت بالتهجم البدني». وبالفعل تم عزل الموظف إدارياً لحين انتهاء إجراءات التحقيق الإداري.

أكاد أجزم أن معظم الموظفين قد وقعوا في أخطاء إدارية فادحة أو متفاوتة الضرر، خصوصاً في بدايات عملهم. حيث إن المرء لا يستوعب الفارق بين الحياة الاجتماعية والدراسية وبين مناخ العمل المهني وجديته وقوانينه ولوائحه الصارمة، فضلاً عن أن تكون مؤسسة تجارية ذات سمعة كبيرة إقليمياً.

مشكلتنا في العمل الإداري أن كثيراً من المشكلات تحل ودياً، وينسى الموظفون أنه في معظم اللوائح الداخلية هناك لجان تحقيق إدارية تفصل في النزاعات، ولها شروط وقواعد تضمن نزاهة اللجنة وحياديتها.

فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن تشكل لجنة تحقيق وتصل إلى عقوبة من دون الإصغاء إلى وجهة نظر الطرفين. ولا يمكن أن يكون من شارك في الموقف طرفاً في عضوية اللجنة. ولهذا يتم أحياناً عزل الطرف المعني إدارياً إذا كان يشتبه بضلوعه في التجني على الموظف أو المشاركة في أذيته بأي شكل من الأشكال.

ولهذا فإن اللجان الإدارية تشكل من أطراف محايدة، وتدون في محضر رسمي حيثيات كل ما جرى. وتكتب رأي شهود النفي والإثبات وتطلب من الموظف شهوداً إن وجد.

وعلى وجه التحديد يتوقع أن يحدد المحضر وصف الخطأ أو المخالفة الإدارية، وأسماء ومناصب أعضاء اللجنة، ثم نوع الإجراء الإداري المقرر سواءً أكان لفظياً أم كتابياً، أم تعليق العقوبة، أم الإيقاف عن العمل، وغيرها. وعند تعليق العقوبة لا بد من تحديد المدة الزمنية. وما هي الإجراءات الواجب اتخاذها في حال تكرار الخطأ الإداري.

هكذا تكون اللجنة منصفة شريطة أن تبنى قراراتها على اللائحة الداخلية وليس مزاجية أو تعسف. كما أن ليس من المهنية ولا من العدل والإنصاف تشكيل لجنة تحقيق كمحاولة للنكاية بشخص معين أو تشويه صورته أمام الناس إذا ما كان الجميع على يقين ببراءته من التهم.

ويلاحظ أنه في كل لائحة تقريباً هناك تدرج في العقوبات، تبدأ بالإنذار اللفظي، وفي بعض الأحيان تخول اللوائح تخطي الإنذار اللفظي إلى العقوبة المباشرة كالفصل أو الإيقاف وغيرهما. ولا يمكن إيقاع عقوبة تأديبية على موظف هي في الأساس غير مصرح بها في اللوائح الداخلية أو تخالف قوانين البلد.

ونظراً لاتساع أحجام الشركات والمؤسسات العامة بالمنطقة، فمن الطبيعي أن تتزايد الأخطاء الإدارية. غير أن غياب الردع والحزم من الإدارة العليا كتفعيل العقوبات أو تشكيل لجان تحقيق، قد يفاقم الضرر والسمعة، ويجعل الجميع يستهين أو يستبعد إيقاع العقوبة عليه. وهذا دور لجان التحقيق التي يجب أن تضع حداً للتسيب بكل أشكاله.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات