الكائن المنهوب

يصحو من نومه بعد رقاد هانئ، ويتعوّذ من الشيطان الرجيم. يغتسل ويتهيأ لنهار سعيد، كما يُمنّي نفسه دائماً، فيعدّ إفطاراً متقشفاً يليق بكائن وحيد، ويشرع بعدها في تفقد أحوال العمل، وما التصق في مفكرته من أشغال مؤجلة.

وما إن يفيء إلى هاتفه المحمول، حتى تتكهرب أجواؤه وتتلبّد سماؤه بالغيوم؛ فالرسائل المباشرة تذكّره بما عليه من فواتير وأقساط مستحقة. وعلى «الواتس آب» شكوى من زوجته وتذمّر من ابنه. وعبر «فيسبوك» يطالع نبأً عن رحيل صديق كان يحادثه على «الماسنجر» قبل يومين. وفي «تويتر» أخبار عاجلة عن اصطدام قطار، وغرق سفينة، وتفجيرات وحرائق.


لا خبراً يسرّ البال، فتأخذ طمأنينته تتآكل شيئاً فشيئاً حتى يفترسه القنوط ويستبد به اليأس، فلا يلوي على شيء سوى الإذعان لإكراهات هذا العالم الجديد الذي أضحى أصغر من قرية وأكبر من غرفة صغيرة، وهو في المطرحيْن تائه ومستنزف. يلهث من غير ما ركض، ويئن دونما وجع، ويطلق زفرات حارقة يوشك أن يندلع منها اللهب.

وإذ يصبح هذا التتابع في الأحداث شأناً يومياً، تغدو الحياة سباقاً متواصلاً في ماراثون لا نهاية له، وفي غضون ذلك ينسى الكائن المنهوب أبسط حاجاته الوجدانية: أن يتواصل مع نفسه ومع الناس المقربين منه، وأن يغدو، كما زعمت هذه التكنولوجيا، كائناً اجتماعياً، فلا يكتفي برسالة إلكترونية باردة المشاعر لتهنئة شخص أو تعزيته. الأنكى أنّ المشاعر لم تبرد وتتعطل فحسب، بل تعطل الكلام، واستعيض عنه بالإشارات والرسوم والوجوه التعبيرية «الإيموشن» التي يتبادلها الناس كأنهم كائنات أصيبت بالبُكم.

التدفق الهائل في المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي شلّ قدرة الناس على التركيز، فأنت في لحظة واحدة مضطر أن تبارك لصديق على «فيسبوك» بتخرج ابنته، أو زواج ابنه، فترسل له وجوهاً تعبيرية ضاحكة وفرِحة، ثم عليك وأنت تتصفح حسابك أن تعزّي صديقاً بموت قريب له، أو تنعاه هو، فتذرف كلمات دامعة متبوعة بوجه تعبيري في منتهى الوجوم، ثم تمضي إلى جدارك فتكتب عن ازدحام السير، أو ارتفاع درجات الحرارة، أو المأكولات الفاسدة، وربما إن قيّضت لك بعض الجسارة تنتقد مسؤولاً قاد سيارته الحكومية في يوم عطلة!
الكائن المنهوب في الزمن الرقمي فقد أهم حواسه: التعاطف.

لقد كان عما بعيد يسرف في مشاعره في الفرح وفي الحزن؛ لأنّ روحه ظمأى لمشاركة الآخرين لحظاتهم الحميمة. كان ذلك في زمن البساطة، أعني في زمن «المشاعر اليدوية» إن جاز التعبير، قبل سطوع نجم الماكينة، وانبثاق شمس أو «عتمة» التكنولوجيا التي تواطأ البشر على جعلها عقيدة لهم، فأجازوا التهنئة الإلكترونية في الأعياد، والرسائل المعلّبة في المناسبات، وتآلفوا مع العزلات، لذلك لم يكن الحجْر في زمن «كوفيد 19» أمراً شاقاً على الناس جُلّهم، فهم أبناء العزلة الشرعيون، وعبَدَة أوثان العصر الرقمي الذي سوّغ اعتقال البشر، باختيارهم، شريطة ربطهم بشبكة الإنترنت. ولو جاءت الجائحة في زمن غير هذا الزمن لرأى الناس الأهوال وذاقوا صنوف المرارة والويل.

سألت مرة إحدى طالباتي في الجامعة، وقد نسيتْ كتاب المساق: وهل نسيت هاتفك المحمول؟ فردت على الفور: وهل ينسى الإنسان روحه؟ وقد كان جوابها بليغاً؛ إذ اختبرته حينما فقد أحد أصدقائي هاتفه المحمول في سيارة الأجرة. لقد جنّ جنونه وأخذ يصيح ويوشك أن يبكي، لا سيما حينما اتصلنا بالهاتف فألفيناه مغلقاً.

وبتعبيره: لقد ضاع عقلي وضاعت ذاكرتي وفقدت أعزّ لحظاتي المدونة بالصور في جولاتي وارتحالاتي طوال سنين. أنا الآن، ظلَّ يردد، لا شيء. كل شيء مخزّن على الهاتف: أرقامي السرية، وحسابي البنكي، وكتابات كنت أخطها كلما فاض بي الإلهام. لقد أضحيت، والكلام له أيضاً، أرضاً محروقة.. أرضاً يباباً.

والأرض اليباب، التي قصدها صديقي، ربما مصدرها قصيدة الشاعر الإنجليزي إيليوت، وهي بالمناسبة تليق بأحوالنا الراهنة في هذه القنطرة الملتبسة، فالشاعر يرصد مشاعر الكائن ما بعد الحرب العالمية الأولى، ويلتقط الذعر والخوف والقلق والرغبة العارمة بالخلاص.

ولتلك المشاعر صلة قربى بما نحياه الآن، بعد نحو مئة عام، لا سيما عندما يقول الشاعر: «ما الجذور التي تتشابك، وأية أغصان تنمو من هذه القمامة المتحجرة؟ يا ابن الإنسان، أيها العاجز عن الكلام، أو التخمين، أنت لا تعرف سوى كومة من الخيالات المشوشة»!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات