لا ترضخوا لخطابات التخويف

مرت، أمس، سنة كاملة على وفاة الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي، ويُحسب للرجل أنه من سُلالة الدولة الوطنية، وأنه سعى إلى المحافظة على مكاسب المجتمع التونسي الحداثية، وحاول تأمين عملية الانتقال الديمقراطي، وتركيز دولة القانون والمؤسسات، وبذل جهداً كبيراً في ترميم ما دمرته حكومة «الترويكا»، بقيادة حزب حركة النهضة «الإخواني»، في مجال علاقات تونس الدولية.

ومعلوم أن تونس رفضت على تاريخها، وبالمطلق، الدخول في سياسة التحالفات، واعتمدت مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي من رُواد حركة عدم الانحياز، وتميزت سياستها الخارجية على مدى الأحقاب بالرصانة والحكمة، وتمكنت بذلك من المحافظة على مسافة أمان معقولة من جل الصراعات الإقليمية والدولية.

ومن المعلوم كذلك أن هذه المكاسب، التي حافظت عليها تونس منذ استقلالها سنة 1956، امتدت إليها الأيادي العابثة إبان حُكْمِ «الترويكا» بقيادة «النهضة»، التي لا تزال تصر على ارتداء العباءة «الإخوانية»، وأقحمت تونس في سياسة المحاور، وربطت مصيرها بأجندات أجنبية، فبدأت بالتدريج تخسر استقلالية مواقفها وقراراتها لحد أصبحت معه سيادة البلاد واستقلاليتها مهددين، ونحن من الذين يعتقدون أن الراحل الباجي قايد السبسي نجح عموماً في مهمته إصلاح ما أفسدته حكومة «الترويكا»، بقيادة «النهضة» في مجال علاقات تونس الدولية، ولكنه لم يقم بقطع الطريق نهائياً أمام إمكانية الانحراف السياسي والدبلوماسي مجدداً.

ومن الأسباب الأساسية لكل الانحرافات اللاحقة، سياسة التوافق، التي فسحت المجال واسعاً أمام «النهضة» كي تتمكن أكثر من مفاصل الإدارة والدولة.

وقد كان تبرير الرئيس الراحل في توخّي سياسة التوافق والوفاق، هو وجود قانون انتخابي لا يسمح بإفراز أغلبية حاكمة متجانسة البرامج والسياسات والأهداف والمواقف، إضافة إلى عدم استعداد بعض الأحزاب ذات المنحى اليساري بالخصوص، لخوض تجربة الحُكم بالشراكة مع حزب «نداء تونس»، الذي كان يرأسه السبسي، وقد أسر لنا الرئيس الراحل ذات يوم، بأنه دُفِعَ إلى سلوك طريق التوافق دَفْعاً، وبأنه رغم ذلك، فإن سياسته هذه مع «النهضة الإخوانية» ستؤدي بها إلى إحدى نتيجتين، إما الإندماج في المجتمع وإما الاندثار.

وتقديرنا للأمر أن السبسي لم يُدرك في البداية طبيعة أحزاب «الإسلام السياسي»، وبأن الوقت تأخر كثيراً عندما وقف، مع اقتراب نهايته، على حقيقتها المتلونة.

ورغم الإقرار بأن «النهضة» قد فَقَدَت ثقة الناخب التونسي، إلا أنه وفِي ضوء تهاوي المنظومة الحزبية والسياسية، ولولا قوة المجتمع المدني التونسي وتجذر منظماته الأهلية، لكان حجم الدمار اللاحق أكبر.

وتونس التي تعيش الآن تداعيات استقالة حكومة إلياس الفخفاخ، تجد نفسها مجدداً أمام صعوبة إيجاد تحالف حكومي قادر على الحُكْمِ، لتُطرح مرة أخرى مسألة تشريك «النهضة» في هذه الحكومة من عدمه.

ويبدو أن هناك الآن مؤشرات جدية على توفر شروط هذه الإمكانية، خصوصاً بعدما أصبح الصراع علنياً بين رئيس الجمهورية قيس سعيد و«النهضة»، وكذلك في ضوء الصراعات الجدية، التي تنخر الجسد «النهضاوي»، وتهدد سلطة رئيسها راشد الغنوشي.

وبدا من الواضح أن إمكانية تشكيل حكومة تونسية دون إشراك «النهضة» باتت تقض مضاجع قادة الحركة الإخوانية الذين كثفوا من تصريحاتهم المتشنجة والتي تسعى إلى تخويف التونسيين من أي مسعى لتشكيل الحكومة من دونهم.

وتخيّم على تونس أجواء من التردد والخوف جراء التهديدات المتكررة بعودة مناخات الإرهاب، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة في القطر الليبي المجاور، والذي كاد يُصبح مرتعاً للتجاذبات والصراعات الأجنبية.

وتحاول «النهضة» الإقناع بأن وجودها في الحُكْمِ والسلطة، ضمانة أساسية حتى لا تنزلق تونس إلى متاهات الإرهاب وعدم الاستقرار.

المناضل الديمقراطي، العربي عزوز، قال في «تدوينة، له مخاطباً التونسيين أمس: «لِمَ الخوف؟! لستم أعداء الله، وليسوا هم جُنْدَ الله، فلا ترضخوا لخطابات التخويف»، وعقبنا نحن بنِعْمَ القول ونِعْمَ النصيحة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات