دعوهم يذهبون إلى موتهم مبتسمين

لو أن الكلمات الملتاعة التي نذرفها في رحيل الأصدقاء والأحبة، ادخرناها وتلوناها على مسامعهم، لزاد ذلك في أعمارهم، أو على الأقل لمضوا إلى نهاياتهم المحتومة هانئين. ولو أن التكريم الذي يلقاه المبدعون والفنانون والكتاب والمؤثرون، في أعقاب موتهم، لاقوه في أثناء عيشهم، لكان ذلك أجدى وأبقى في الكائن نفسه وأهله وذويه، وقد أجاد الشاعر محمود درويش حين لخّص هذه المعضلة بقوله «يريدونني ميتاً لكي يقولوا، لقد كان منّا وكان لنا»!

فهل تكريم الأموات هي صفة عربية، بامتياز، أم أنها سلوك إنساني يرى في الموت أكثر المحطات قسوة، وأكثر اللحظات الوجودية إيلاماً؟ ولعل الاحتفاء بالموت يستبطن وعياً تراجيدياً يميل إلى التعلق بالمأساة، وإلا ما معنى احتشاد بيوت العزاء بالبشر، بما يتجاوز أضعافاً مضاعفة، احتفاءهم بالفرح والأعراس والمناسبات السعيدة؟

هل الإنسان كائن تراجيدي بطبعه، وهل الألم من مكونات الشعور الجمعي الإنساني؟ ربما أنّ في ذلك مقداراً عالياً من الصواب الذي يؤكده أنّ الرثاء أصدق من المديح في أغلب الأحيان.

أليس أكثر ما يجذب الإنسان في الأعمال الأدبية والفنية هو ما تتكلّل نهايته بالتعقيد والخسارة والفقدان. أليس هذا ما عبّر عنه أرسطو حين رأى أن التغيّر من الجيد إلى السيئ هو الأفضل، في الطقوس الدرامية؛ لأن هذا يؤدي إلى إثارة الشفقة والخوف لدى المتفرج، وهو ما رصده علم النفس باعتباره تطهيراً للنفس من انفعالاتها.

ولو أن النهاية التي اختتمت بها مأساة العشق الشهيرة «روميو وجولييت»، كانت سعيدة، لما قيّض لهذه الحكاية الخلود، ولما أضحت أيقونة حكايات الحب في العالم. الناس تضامنوا مع العاشقين اللذين تعرضا للخيانة والغدر وقيم الكراهية والخصومة، ورصّعا بدمائهما مأساة ألهمت خيال الفنانين والمخرجين والأدباء، ولمّا تزل، بيْد أن كل ما تقدم، على وجاهته، لا يتعين له أن يجعلنا نمضي بالاحتفاء بالمأساة والموت والرحيل والفقدان، بل الأجدى أن نوطّن الأنفس على الزهو بقيمة الحياة، وامتداح الفرح والمدّ في عمره، ورعايته وسقايته وتشذيب أوراقه وتنقيتها من الأسى والغبار والمرارة.

ماذا ينفع الراحلين أن نعقد جلسات وندوات تدرس ميراثهم، أو أن نطلق على الشوارع أسماءهم، أو نقيم لهم تمثالاً لا يؤمّن للموتى دفئاً ولا عافية. كان يجدر أن تقام كل هذه المدائح لهم في حياتهم، كي يعلموا أنهم لم يكونوا يحرثون في بحر، وأنّ من حولهم يراقبون إنجازهم، ويحثونهم على المضي والارتقاء. بذلك يكون لدى هؤلاء حافز، وإن لم تقيض لهم الحياة أن يشعروا بذلك، فعلى الأقل يذهبون إلى موتهم مبتسمين.

الاحتفاء بالحياة ثقافة، كما الاحتفاء بالموت، ولكنّ المفاضلة بين الثقافتين أن الأولى تنمو وتورق وتشعل الحرائق المبدعة في النفس، وتضيء الذاكرة بالامتنان، لكنّ الثانية سريعة الانطفاء، فبمجرد أن يغادر المعزّون أو المشيّعون المكان، تُعتم الدنيا على الفقيد وأهله، ويغدو اسمه وفعله وأثره مسبوقاً بالفعل «كانَ»، فلربما يستعد المعزون لسلّم آخر يصعدون عليه، ويدبّجون من خلاله مراثي جديدة في رحلة الموت.

التكريم يليق بالأحياء أكثر من الموتى، فلماذا ننتظر أن يشهق الكائن أنفاسه الأخيرة حتى نلتمّ حوله، ونعدّد مناقبه، وقد كان منا من ينتقده ويهجوه، وقد جاء الآن، ربما، كي يكفّر عن خطاياه، في إيقاع يضارع ما تفعله المأساة الإغريقية في رحلة التطهر من الإثم.

أعرف شعراء وأدباء عرباً على قدر عال من القيمة الفنية والإبداعية، بعضهم أصابه الزهايمر، وأضحى منذ أكثر من خمسة عشر عاماً قعيد المنزل، وآخر أصيب بجلطة دماغية أسكتته عن الكلام، فسكت الناس عن ذكرهما، بعد أن كانوا، أثناء عافية هذين الرجلين، يطوقانهما بالكلام العذب، وبعضه صادق، لأنه صادر عن أصدقاء ومحبين، لكنّ الجمع تفرق، ولم يعد يذكر هذين العَلَمين إلا النسيان. إنهما يحتاجان إلى موت كي يعودا للحياة، لكنها عودة مؤقتة بعُمْر عود ثقاب!

 

 

طباعة Email