فأر مذعور خيرٌ من أسد عليل

في العادة، حينما يزورني أحد العمّال في البيت لإصلاح شيء، أقوم بملاطفته وإعداد كوب من الشاي له، وقد أقدّم له الحلوى أو الفاكهة إن كانت متوافرة، لأنني أحبّ البروليتاريا، وأنتسب نفسيّاً إليهم؛ وأتعاطف مع آلام الضعفاء ومكابداتهم.

لكنّني، بعدما جاء عامل لتغيير «راوتر» الإنترنت، كنتُ بخلاف ذلك تماماً، كأنّ صوتاً في داخلي يشير إلى الانتباه ويدعوني: قفْ بعيداً. راقب الأشياء التي يلمسها. تأكّد إن كان لمس مقبض الباب أو المفتاح، أو إن كان اتكأ بيده على الجدار. حاول ألا تفارقه لحظة حتى ينجز عمله. تأكّد من أنّ الكمامة تغطي فمه وأنفه، وأنّ في يديه قفازتين. حاول أن تحصر المسافة التي تحرّكَ فيها، كي تقومَ بتعقيمها بمجرد مغادرته.

لم يكَد العامل ينزل الدرجات في المبنى حتى سارعتُ إلى المعقّمات، ومسحت الجدران، ولمّعت مقبض الباب، وكلَّ شيء لمسه العامل. صارت المساحةُ التي تحرّك فيها، وهي لا تتجاوز مترين في مترين، مقبرةً للفيروسات.

وبعدها، عقّمت يديّ ومعصميّ، ورحت أجرّب إن كان «النت» يعمل، فوجدته ما زال معطّلاً، فهاتفت العامل مرّة أخرى، وكان لحسن حظي، لم يغادر البناية، فحضر في الحال. ولمّا دخل المنزلَ داهمته رائحة التعقيم، فنظر إليّ على الفور، وكأنه يقول لي: مش لهذه الدرجة يا رجل!

وما إن غادر ثانية بعد أن شبك، في أقل من دقيقة، سِلكاً كان مفصولاً، حتى تفقّدت «اللابتوب» وتأكّدت من أنه يعمل، ثم عدت إلى التعقيم من جديد. بل زدتُ على ذلك، ما كان ورد في فيديو أرسله إليّ، صديق، يدعو إلى تنشّق الهواء الساخن من كأس ماء مغليّ، ثم بعدها وضع ملح فيه، وغرغرة الحلق بالمحلول، كي يتم إزهاق الفيروسات المحتمل أن تكون استوطنت الأنف والحلق.

وفيما كنتُ أفعل ذلك، رحتُ أشعر بأنّ إنسانيّتي يتم إزهاقُها، وبأنّ الهلع قد نال من آدميتي، وحوّلني إلى فأرٍ مذعور!

لا بأس في ذلك، المهم أن يكون المرء في منأى عن الأذى، ففأر مذعور خيرٌ من أسد عليل، ولا سيما أنّ «كوفيد 19» أطاح الأسُود والنمور والفيلة، ولم يرحم رؤساء حكومات ودول (آخرهم رئيسة بوليفيا) ولا مشاهير، وضرب، حيث أمكن له ذلك، حتى أوجع.

ولم يجانب الصوابَ أجدادُنا حينما علّمونا أنّ «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج» فتلك الحكمة هي رائدنا ومرشدنا في رحلة الصراع الضاري مع هذا الوباء الذي يظن بعضهم أنّ البشرية قهرته، فيتصرفون من وحي هذا الظن الآثم، ويتخلّون عن إجراءات التباعد الجسدي، ويكفّون على وضع الكمامة، ويتجنّبون التعقيم، كأنّ الدنيا كما يقال «قمرة وربيع».

في كرة القدم، هناك الهجمات المرتدة التي يغتنمها الخصم في لحظة تراخي الفريق الآخر أو سهوه أو سوء تركيزه، فينتهز الفرصة ويتحرك في المساحة السانحة، ويسجّل هدفاً، وذلك ما يفعله «كوفيد 19» الذي يبحث عن الثغرات، فيسدّها بفيروساته.

ولأنّ النصر صبرُ ساعة، فيتعين علينا جميعاً أن نحتمل الكمامة التي ربما تصيبنا بالضجر وعدم القدرة على التنفس، وتسبّب للبعض حساسية، فالحساسية أقلّ عناء من المكوث تحت وطأة جهاز التنفس الاصطناعي!

نرجو أن يكون أمر الجائحة مؤقتاً وعابراً، وحتى نتخلّص منها نهائياً ونهزمها، يلزمنا التحمّل وطول البال، فهما كفيلان بتهديم الجبال، فأعتى المحاربين، كما يقول تولستوي، هما الصبر والوقت.

لقد قرع جرس المنزل الآن، فيما أكتب هذه الكلمات، فهذا موعد إحضار قارورة الماء. حسناً. ستبقى القارورة في الرواق، حتى أحضر فوطة ورقية عليها سائل معقم ثم أمسح، بعد أن أضع القفازات والكمامة، القارورة جيداً، ثم ألقي بالكمامة والفوطة والقفازات في سلة المهملات. العملية لا تستغرق دقيقتين، ولكنّ أثرها ومفعولها يعنيان ديمومة وحياة وبيئة معافاة.

«كوفيد 19» خصم عنيد أضحت له شروطه وإكراهاته. فإن كنتَ لا تستطيع سحقه والقضاء عليه وتخليص البشرية من شروره، فالأوْلى إلحاق استمرار التربص به والحذر منه؛ خشية أية هجمات مرتدّة.

طباعة Email