جدل التعايش مع الوباء

ت + ت - الحجم الطبيعي

بات مفهوماً في الوقت الراهن أن جائحة (كوفيد 19) أثارت شؤوناً وشجوناً ونكأت هموماً، تتصل بأوجاع وجراح وخسائر مادية بشرية وغير بشرية منظورة؛ يمكن معاينتها ومعالجتها حسابياً وإحصائياً في طول المعمورة وعرضها. ما عاد هذا الفهم بحاجة إلى مزيد من الدلائل بعد أن تجاوز عدد ضحايا الفيروس العشرة ملايين إنسان؛ لقي أكثر من نصف مليون منهم حتفه.

لأكثر من ستة أشهر وتجليات الجائحة وآثارها وتوابعها اليقينية والمحتملة، في الحال والاستقبال، تملأ الدنيا وتشغل الناس على مدار الساعة، وتشهد بها وتتابعها بحسرة مستويات تتدرج من الأفراد والأسر في بنية المجتمعات التحتية، إلى الدوائر الأوسع من الأقوام وأصحاب المهن والصنائع، صعوداً إلى الدول والأقاليم والقارات والأطر التنظيمية مختلفة الأوزان والتخصصات في سائر جهات الأرض.

ندرك أن المنخرطين في هذه المستويات ليسوا سواء في التعرض لهجمات الفيروس، الذي لا قلب له ولا يستثني من شروره أحداً ولا دائرة.. لكن الجميع يتساوون في نوازع التوجس والوجل والوقوف على أطراف الأصابع حذر الوقوع في براثنه. ومع ذلك، كم يبدو لافتاً أن القوي الموصوفة بالأكثر تقدماً وتطوراً في ركب الحضارة المعاصرة، ولاسيما في حقول الطبابة وإبداعاتها، بدت نسبياً أكثر هشاشة وضعفاً أمام هذه الهجمات، وكانت خسارتها فوق المتصوّر.

الوقوف على علة هذه المفارقة، يمثل حالياً واحداً من هموم المدارسات والمناظرات ومحاولات استخلاص العبر، التي يعني بها «السادة المتحضرون»، والمتوقع أن يلازمهم هذا الاهتمام بعد أن تضع الجائحة أوزارها. ولا يقل عن ذلك احتمالاً بالضرورة، أن يتأمل من يعنيهم الأمر في آثار الجائحة وتوابعها الموصولة بالجوانب والأبعاد غير المادية وغير المنظورة.. كيف لا وقد ساق الوباء خلقاً كثيرين إلى استحضار خطابات وإيديولوجيات وأفكار، تتعلق بما وراء الطبيعة والقدر والثواب والعقاب وحدود الطاقة البشرية.

القصد أن الجائحة أشعلت، من ناحية، نقاشاً وجدلاً حول أصل الفيروس وفصله وطبيعته ومجالات حركته، وكيفية مقارعته ومقاومته وصيانة الأجساد قبل تمكنه منها أو بعد التمكن، وما خلفه وما قد يخلفه من ضحايا وخسائر، وأي السبل أجدى في منازلته ودحره، ومدارات ومآلات ذلك ونحوه بالمعاني الملموسة.. لكنها تسللت، من ناحية أخرى، إلى المكنونات النفسية والمعنوية الإنسانية، وحركت مواجد وقضايا وإشكاليات وجدانية لا محسوسة، طال الظن بركودها أو حتى هجرانها عند الكثيرين.. بل إنها دفعت البعض إلى إعادة التدبر في خلق السماوات والأرض.

كأن الناس جميعاً امتحنوا في ظاهر حيواتهم وباطنها وزلزلوا في زمن الجائحة زلزالاً شديداً. وبين يدي حالة كهذه، لم يسلم الأمر من شيوع محاججات وتعليلات ومداخلات غير تقليدية ولا مألوفة. مثلاً، جرت استعارة بعض المفاهيم المستقاة من خبرات صدام البشر مع البشر، فتم وصف ما يدور بين جحافل الفيروس والناس بالحرب الضروس.

مثل هذه الاستعارة والتشبيه أمر جائز ولا تثريب عليه في عالم الصياغات الأدبية وتقريب المعاني إلى الأذهان.. لكن هذه البلاغة تبدو عرضة للجرح والنقد، وربما للنقض، حين تنشأ عنها نتائج كارثية.. ومن ذلك في مقامنا هذا، القفز من استخدام مفهوم الحرب مع الوباء إلى استخدام مفهوم «التعايش» معه.

لمفهوم الحرب حدود قد لا ينبغي تخطيها. الحرب هنا تعني بين ما تعني رفع درجات الاستعداد والجهوزية وتعميق الوعي والمناعة لدى الأفراد والجماعات، وتبادل المعلومات والخبرات على صعد مختلفة، وتكثيف البحوث العلمية النظرية والتطبيقية بحثاً عن السلاح الرادع لتفشي الفيروس أو الكفيل بالقضاء المبرم عليه.. هذا كله يندرج في باب المسموح فيه بالتشبيه والاستعارة والكناية. لكن الاعتقاد بإمكانية «التعايش» مع الوباء على غرار التعايش بين الأمم والشعوب والدول المتنافسة، أمر فوق التصوّر ولعلّه إيغال في المحاكاة بحيثية لا محمودة ولا مأمونة العاقبة.

تقديرنا أن الخلق أجمعين يواجهون عدواً جوّالاً غير عاقل لا عنوان له؛ لا يراعي حرمة مكان أو زمان، ولا يقبل الهدنة ولا التهدئة ولا التفاوض أو الحلول الوسط. ونظن أنه لن يستكين أو يخضع لاستحقاقات التعايش إلا بشرطين: توفر عوامل المناعة الحائلة بينه وبين الأخذ بتلابيب أجساد البشر، أو ابتكار اللقاح الواقي كلياً لاختراقاته لهذه الأجساد منذ لحظة ميلادها. هذا ما حدث مع أوبئة أخرى كالحصبة والجدري والملاريا والكوليرا والطاعون.. لذا لزم التنويه إلى ديمومة الحذر والاحتياط بلا حدود.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email