حقیقة «كورونا» في ظل التعدد الثقافي وحمایة البيئة

منذ ظھور آثار فیروس (كوفید 19) على وجه الأرض والناس في تساؤل مضطرب لدرجة التناقض أحیاناً، اضطراب في مصدره، وفي طبیعته، وفي الأسباب الخفیة من وراء انتشاره، وقد تعددت التفسیرات العلمیة بتعدد المشارب الثقافیة كالتالي:

أما الاقتصادیون فیرون أن الأمر مفتعل، وأن أھدافه اقتصادیة وسیاسیة، وللاقتصادیین والسیاسیین أدلتھم في ما ذھبوا إلیه، منھا الجشع المتنامي بین المؤسسات الاقتصادیة التي تملك القدرة في الھیمنة على أبواب مختلفة لأنواع المنتجات التجاریة والصناعیة، مثل الأدویة ذات البعد الاستمراري الأكثر انتشاراً في العالم كالتلقیح وغیره من الوسائل المستخدمة بالضرورة للحمایة الفردیة والجماعیة، كالكِمامات وأدوات التعقیم المختلفة، ومما دلّ على ذلك أن السوق على وفرة ما كان فیھا من تلك المتطلبات صارت مفتقرة في كثیر من الأماكن لتلك الوسائل، بسبب شدّة الإقبال على تلك الأدوات، فضلاً عن كثیر من الأھداف الاقتصادیة العمیقة الأخرى.

أما علماء الدین، مسلمون وغیر مسلمین، فیفسرون الأمر تفسیراً دینیاً یترجم نصوصاً تتعلق بالأوبئة كحدیث (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوھا، وإذا وقع بأرض وأنتم بھا فلا تخرجوا منھا) وغیره من الأحادیث التي تتعلق بالأمراض المعدیة. وقد اختلفت الأفھام المعاصرة حول تنزیلھا على الواقعة «كورونا» وكثرت الفتاوى.

وذھب بعضھم إلى أن ھذه رسالة للبشریة جمعاء، لما بلغته من اختلال في السلوك والتفكیر والمواقف، نتیجة للاختلال الذي أثّر كثیراً في حیاة الناس، وفي الأسالیب التي بسببھا نزلت بقوم من الأقوام عبر التاریخ، فتُنَبِّه النُّذُر إلى أھمیة العودة إلى الطریق السويّ، للحفاظ على الوجود البشري، وفْقَ الأصول والسُّنن، التي جعلھا الله معیاراً للعیش الصحي والسَّوي فوق كوكب الأرض.

أما علماء البیئة فینظرون إلى آثار فیروس «كورونا» على البیئة، فیتحدثون عن أھمیة الآثار المترتبة على توقف السیارات والطائرات والمصانع بشتى أنواعھا عن إرسال المواد التي تتسبب في إفساد البیئة مما یجعل البیئة في مثل ھذه الحال تسترجع نفسھا، وتتجه إلى الإنسان بما یلیق بعیشه فوق الكوكب الأرضي بھناء.

ولذلك یؤكد علماء البیئة أن حسن تفسیر الظواھر الطبیعیة والثقافیة في ظل علوم البیئة من شأنه أن یسھم في إنجاز ثقافة التكیّف البشري مع البیئة من حیث ھي غنیة بطبیعتھا الكونیة بما یكفي للبشریة لتعیش في سعادة، لولا أن الإنسان یتسبب في إلحاق أضرار بالبیئة تسيء إلى المحیط كله، في البرّ والبحر والسماء والأرض، فیؤثر على الإنسان والحیوان والنبات والجماد.

من ھنا یتبین أن الإیكولوجیة تتفق في تفسیرھا لظاھرة «كورونا» مع العلوم الدینیة والعلوم الإنسانیة، من تاریخ وجغرافیا وأنثروبولوجیا، وتصب في الھدف نفسه الذي یرى أن في مثل ھذه الظواھر تنبیهاً للإنسان لیستقیم مع الكون كله.

أما علماء الطب فقد صُنِّف ھؤلاء في ھذه الفترة في قائمة (الجیش الأبیض)، لما یقومون به من جھود تتطلب التضحیة الكبیرة بالأسرة والنفس والنفیس من أجل إنقاذ الآخرین، ھؤلاء انقسموا إلى أقسام بعضھم یرى أن الوباء كسائر الأوبئة المشابھة التي مرّت بالبشریة في الأزمنة البعیدة والسنوات الماضیة، وعلیه ینبغي العمل بمراعاة مرور الوقت والصبر حتى تنخفض وطأة المرض وتنفرج.

وبعضھم یرى أنه حالة خاصة ومختلفة عن المعھود، وینبغي التصدّي له بالوقایة باعتبارھا الخط الدفاعي الأول، إذ الوقایة خیر من العلاج.

وقد أثرت النظریتان في السیاسیین فاختلفت مواقفھم من مواجھة الوباء فاختار بعضھم (الحجر) لضمان الوقایة، وفضل بعضھم (اكتساب المناعة) عن طریق الاحتكاك لیعیش من یعیش ویموت من یموت.

وخلاصة القول: إن حضور ھذا الوباء (كوفید19 ) بین الناس قد جعل النظریات المعرفیة تتضارب وتتفاعل فیما بینھا وفق طبیعة الأصول الثقافیة والمعرفیة المعتمدة كمرجعیة لتفسیر أسباب الوباء، وآثاره، ومصدره، إذ بھذا تبیّن أن فیه مضاراً في طیِّھا منافع، یستنتجھا علماء كل تخصص على حدة.

أما علماء الاقتصاد فیكتسبون من وراء ذلك أموالاً طائلة، وأما علماء الدین فیرون في ذلك تنبیھاً للغافلین عن دینھم، وأما علماء البیئة فیرون فیه متنفّـساً لكوكب الأرض لیعیش في ھناء كسائر الكواكب، ولعلھم یشیرون إلى أھمیة انغلاق ثقب طبقة الأوزون.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات