العودة إلى الحياة «الجديدة»

ألاحظ بدء تسلل صور صديقات وأصدقاء على «فيسبوك» و«إنستجرام» من المقيمين في الإمارات وقد توجه هؤلاء إلى الكورنيش للتريض، وغزا أولئك الشواطئ بعد طول غياب.

أتابع شاشات التلفزيون الإماراتية المختلفة، فأجد بوادر العودة للحياة الطبيعية «الجديدة». أقرأ ما يكتب في الصحف عن عودة العمل في الوزارات والهيئات والمؤسسات ضمن إطار الخطة التدريجية للعودة الكاملة للحياة. أبحث عما يجري في مراكزها التجارية فأجد بوادر انتعاشة وبشائر انطلاقة.

لكن وسط كل ما سبق من مؤشرات عودة الحياة إلى طبيعية «جديدة»، لا يسعني سوى التأكد بأن من قطع خطوات استباقية وتمتع برؤى مستقبلية في أزمنة سابقة، يجد نفسه اليوم الأكثر جاهزية للعودة، والأهدأ بالاً في التعامل مع ما هو قادم.

وإذا كان جانب غير قليل مما هو قادم ما زال في علم الغيب، حيث الفيروس لم تكتَشف كل أسراره بعد، وأبناء عمومه من التحورات والأنماط المختلفة منه تتربص بنا، وأقرانه من الفيروسات الأخرى ربما تسن أسنانها بغية مهاجمتنا، فإن استكمال الحياة في ظل قدر من الجاهزية المدروسة جيداً والاستفادة من الأشهر الأربعة الماضية بالإعداد الجيد الواقعي ووضع سيناريوهات عدة للعودة إلى الحياة بأكبر هامش أمان ممكن وأقل أضرار إنسانية واقتصادية وصحية ممكنة، فإن الجانب المعلوم يبقى حائط صد ومعيار أمان لدول دون غيرها.

غيرت السياسات التي اتبعتها دبي في العقدين الماضيين من مسار التعامل مع وباء العصر. فمن اقتصاد المعرفة القائم على العلم والتكنولوجيا والابتكار والبحث والتطوير، إلى بيئة أعمال جاذبة لا ترتكز على منتج بعينه أو مورد دون غيره بل على مواكبة السوق والعصر والمستقبل، إلى بناء معرفي تعليمي في عملية تعلم مستمر تبدأ بالمدارس والجامعات وتمر بتوفير منابع التثقيف والتطوير المستمرين.

وتنتهي بفتح آفاق التطوير والتحديث دون قيود مصطنعة أو عوائق مختلقة، وجدت الإمارات نفسها في موقف حسدها عليه كثيرون. فعلى الرغم من الوباء وكثرة إصاباته ومنحناه الذي لا ينكسر إلا بعد تصاعد دام لا بد منه، إلا أن التطويق والحصار والحد من الانتشار عبر إجراءات علمية وعملية صارمة، أدت إلى عودة الحياة إلى الطبيعة الجديدة بشكل علمي عملي منظم.

ولأن التنظيم والجوائح لا يتواءمان، حيث الثانية تضرب دون هوادة ومن حيث لا يحتسب أو يتوقع أحد، فإن التدخل السريع عبر التنظيم – سواء في التعامل مع الأضرار الناجمة أو تطويق الأخطار المحدقة أو التعامل المستقبلي - هو كلمة السر في بقاء أمم وتفتت أخرى.

بقاء الأمم لا يرتبط فقط في الأزمنة الصعبة ببقائها على قيد الحياة. فكم من حياة هي أقرب ما تكون إلى الممات، حيث خوف مستمر من قاتل مجهول لا يأتي بالضرورة راكباً دبابة أو على متن طائرة، ولا يتنكر في زي أيديولوجية زائفة أو أفكار سامة، بل يتسلل إلى جسم الإنسان دون صخب أو مؤشرات.

وهذا يعني أن الصحة النفسية للشعوب في الحياة الطبيعية الجديدة لها أولوية شأنها شأن الصحة الجسدية. الخوف من المجهول والمرض والألم وفقدان العمل والأحباب، بالإضافة إلى التغيرات الجذرية والسريعة في نمط الحياة في وقت قصير جميعها يعرض صحة الناس النفسية لأخطار كبيرة.

منظمة الصحة العالمية تمطرنا بأدلة ونصائح لحماية صحتنا وصحة من نحب ونرعي النفسية في زمن «كورونا». لكن التعايش مع الفيروس سيستوجب نمطاً مغايراً من التعامل مع مسألة الصحة النفسية.

هذا النمط لا يقوم على نصائح للتعامل مع الهلع الآني فقط، أو للسيطرة على الخوف على الآباء والأهل فقط، أو للطمأنة على مصدر الرزق وتوفير الغذاء وغيرها من أساسيات الحياة، لكنه نمط جديد غير مسبوق سيعيش معنا لوقت يتوقع أن يكون طويلاً.

هذا النمط يختلف عن السائد في الصراعات المسلحة أوالكوارث الطبيعية. ويمكن القول إن الإعلان عن خطة التعايش وإجراءات عودة الحياة الطبيعية بنسخها الجديدة من شأنهما أن يبثا نوعاً من الطمأنينة. صحيح إنها عودة تدريجية، وصحيح إنها حياة «جديدة» بمقاييس التعايش ونكهة التباعد، إلا أنها تخبر الكثيرين أنهم ما زالوا على قيد الحياة.

الحياة في الأشهر المقبلة ستخبرنا المزيد مما لا نعلمه عن أنفسنا وعن سعاتنا الاستيعابية للتغيير والتعايش مع الجديد، بل والاستمتاع به بطرق جديدة أيضاً. والتجربة القاسية المليئة بالإثارة والقلق والاستكشاف والخوف والابتكار والامتثال والعزيمة والضعف والقوة، التي مررنا بها منذ تفشي وباء «كورونا» المستجد، ستمدنا بقدر هائل من الدروس، والقدرة على إطلاق الأحكام على إدارات الدول في التعامل مع وضع غير مسبوق في تاريخ الإنسانية الحديثة.

* كاتبة صحفية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات