العودة إلى العمل بـ «حَوْكَمَة جديدة»

يعود ملايين الموظفين حول العالم إلى مقار أعمالهم بعد جائحة «كورونا». فمنهم من ستنطبق على إدارته مَثَلْ «عادت حليمة لعادتها القديمة».

خصوصاً إذا استمر فيها المسؤولون والموظفون بممارسة الأخطاء نفسها في إدارة الأزمات بعشوائية، أو التخبط في التغيير، أو استخدام أسلوب «إطفاء الحرائق» كلما ارتفعت ألسنة لهب المشكلة.

وذلك كله ينم عن غياب الإيمان الحقيقي بالتخطيط المسبق، وحسن الاستعداد، والركون إلى «الهمة» الفردية التي لم يعد لها مكان في قاموس العمل المؤسسي. فالأفراد زائلون والمؤسسات الراسخة بأنظمتها ولوائحها المفعلة والمدروسة هي ما سيبقى.

أما القياديون الذين وضعوا نظاماً مؤسسياً يسير على هداه من جاء بعدهم فهم من يستحق أن يشار إليهم بالبنان، وليس المسؤولين الذين استمروا في العمل، بعد كورونا، في خدمة مصالحهم الشخصية ضاربين بعرض الحائط مصالح أعمالهم.

وهناك فئة أخرى من المؤسسات العربية يبدو أنها ستتعلم من أخطائها، وذلك بإعادة الاعتبار للتخطيط العملي والواقعي، وحسن اختيار الكفاءات، والتخلي عن كل من ثبت عدم جدواه في تسيير أمور المنظمة. ففي الأزمات تنكشف معادن الناس وتحديداً المسؤولين والموظفين.

والحل باختصار شديد للفئتين يكمن في الابتعاد عن الاعتماد الكلي على «همة» الأفراد وتقديم نموذج رقابي ذكي وعصري متوائم مع أحدث التوجهات والممارسات المحلية والعالمية. وهو صورة من صور «الحوكمة»governance التي تعد وسيلة لتنظيم العمل المؤسسي بالاستناد على مبادئ وقواعد واضحة، بعيدة عن المزاجية، وذلك لإدارة المؤسسات والرقابة عليها بتطبيق أسلوب الإدارة الرشيدة.

وهو ما ينطبق على القطاعين العام والخاص وكذلك القطاع الثالث (غير الربحي). فكثير من الناس يعتقد أن المنظمات التطوعية أو الخيرية محمية بحكم «أمانة أصحابها» وهذا لا يعد كلاماً مهنياً، فلا يمكن أن أفترض أن كل إنسان سيعمل الصواب، وأنه لن يخطئ خطأ فادحاً. والسبب أنه قد يتخبط البعض في ظل غياب قواعد ثابتة مكتوبة يسير على هداها.

أذكر أنني سمعت، ذات يوم، مصادفة في اجتماع مجلس إدارة بأن شخصاً يُحَصِّل مبالغ نقدية هائلة شهرياً ثم يودعها بنفسه في المصارف.

هنا تساءلت أليس هناك نظام يحمي هذا الموظف والشركة؟ فاستغرب المدير العام على اعتبار أن ذلك الرجل من أقدم الموظفين. ونسي أنني لا أقصد نزاهته بل قد يكون الفرد عرضة لحادث سيارة أو مكروه فتضيع المبالغ والسبب عدم وجود بند لائحي «يخفض المخاطر» مثل تحديد سقف المبلغ النقدي مثلاً، أو وضع سياسة جديدة لتخفيض نسبة المدفوعات النقدية.

والأمر نفسه ينطبق أيضا على نظام تكنولوجيا المعلومات البالي، وسياسة التعيين فلابد أن يكون هناك مثلاً اشتراطات واضحة للتوظيف ووصف وظيفي، وتكتب كذلك الصلاحيات الإدارية والمالية التي كانت في الماضي «فضفاضة». ذلك أنه في ظل الغموض تحدث المشكلات التي لا يحمد عقباها. وهذا الفارق بين العمل المؤسسي والعمل الارتجالي الفردي.

ومن صور الحوكمة التأكد من وجود سياسة تعاقب succession plan بحيث يحدد البديل المناسب لكل مدير حالي. فلا يعقل أن نفاجأ جميعاً باستقالة مدير أو تعرضه لمكروه ولا نعلم من سوف يسد هذا النقص.

من هنا كان من الضروري وجود جدول مكتوب، تقوم على إثره إدارة الموارد البشرية أو الإدارة العليا بتوفير التدريب والمتطلبات اللازمة للصف الثاني حتى يكونوا على أهبة الاستعداد لإدارة دفة الإدارة فور ما يحين الوقت المناسب.

وقد شاركت في رئاسة عدد من لجان الحوكمة ولجان الاستثمار المنبثقة من مجالس الإدارات ورأيت بنفسي كيف يساعد المدقق الخارجي (بمعاونة الداخلي) على تقديم تشخيص مكتوب لمكامن الخلل في كل مفاصل المؤسسة. فالمدققون يرفعون تقاريرهم للسلطات العليا أو مجالس الإدارة فيحددون في قوائم كل موضع تم فيه ارتكاب مخالفة أو خطأ. تماماً كما هو الحال في ديوان المحاسبة أو المراقبة.

ولابد أن يكون من ضمن أهداف التقييم السنوية بنود تقيم إلى أي مدى تمكنت الإدارات وتحديداً مسؤوليها من تخفيض عدد الأخطاء الإدارية أو المالية والأهم المخالفات خصوصاً تلك المرتبطة بالجهات الرقابية الخارجية.

ولكيلا يتسلل الإحباط إلى الموظفين والإدارة العليا كنت أحرص على الطلب من المدققين التمييز بين المخالفات الجسيمة، والعادية، والبسيطة وتلك الممارسات التي قد تتطور إلى مخالفات في المستقبل.

وذلك بأعلام صغيرة ملونة كأن يؤشر بالعلم الأحمر على المخالفات الجسيمة، والأخضر مثلا للممارسات البعيدة عن أفضل التطبيقات وهكذا، حتى يركز العاملون على سرعة تدارك المخالفات الجسيمة على اعتبار أنها مرتبطة بقضايا في المحاكم أو مخالفات قانونية وغيرها.

ما سبق هو شكل بسيط جداً من أشكال الحوكمة التي ينبغي تعزيزها في جميع القطاعات العامة والخاصة وغير الربحية بعد كورونا، حتى تكون عودة الناس إلى أعمالهم مبنية على أسس متينة وعملية تساير أفضل التطبيقات العالمية والمحلية كل في مجاله. هكذا نقدم إدارة رشيدة لمنظماتنا العربية ليست أسيرة لمزاج أفراد أو لهمتهم التي سرعان ما تفتر أو تختفي فور استقالتهم المفاجئة.

* كاتب كويتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات