الفقه الاستشرافي في مواجهة التحديات

جاءت الشريعة السمحة لإسعاد البشرية، وتحقيق مصالحهم الدينية والدنيوية، وتزويدهم بالمبادئ والقيم الرفيعة التي تعينهم على عبادة ربهم وعمارة أرضهم وصناعة مستقبلهم، والارتقاء بأنفسهم في مدارج السعادة في الدنيا والآخرة.

ومن مظاهر ذلك الفقه الاستشرافي الذي ينطلق من أدلة الشريعة وبراهينها، وينظر في علل الأحكام ومقاصدها، وقيم التشريعات ومبادئها، وينظر من جهة الواقع إلى حسن تصور الوقائع وتشخيصها، والنظر في نتائجها وعواقبها، وما في ذلك من مصالح تُستجلب، ومفاسد تُستدفع، ووضع المهددات المتوقعة والمخاطر المحتملة وخاصة تلك التي تمس الضرورات الكبرى موضع عناية واعتبار.

فيتميز هذا الفقه في الأزمات والطوارئ برؤى مستنيرة، قاعدتها الرحمة، وعمودها التيسير، وبنيانها القيم العليا التي رسختها الشريعة الغراء، وأدوات بنائها الاجتهاد العلمي وفق أصوله النيرة من المختصين به.

إن مبدأ الاستشراف في الفقه مبدأ ضروري، لا غنى للفقيه عنه كي يتمكن من استنباط الأحكام الصحيحة الملائمة للوقائع والأحداث، وإهمال هذا الجانب يوقعه في قصور النظر، والخلل في تنزيل الأحكام الشرعية الصحيحة على الوقائع.

وقد يضع العزيمة موضع الرخصة، والأصل موضع البديل، فيشدد على الناس ويضيق عليهم، وقد أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم أهمية البعد الاستشرافي في مواضع عدة، ومنها ما يتعلق بالأوبئة والطواعين، فأرشد إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات الاحترازية الاستباقية للوقاية منها، فقال: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها»، حماية للأنفس وصيانة لها من التهلكة.

إن الفقه الاستشرافي يزن المصالح والمفاسد، ويقيس العواقب والمآلات، وفق أطر شرعية وواقعية دقيقة؛ لأنه يهدف إلى تحقيق مصالح العباد والبلاد، فهو فقهٌ أصيلٌ واقعيٌّ مرن، يضع بالاعتبار الضرورات الطارئة والحاجات العارضة والإمكانات الموجودة والقدرات المتاحة.

وفي هذا الإطار يصير المحرم مباحاً بسبب الضرورة، كأكل الميتة للمضطر، وينقلب الواجب محرماً أو مرجوحاً بسبب العوارض الطارئة؛ كالصيام للمريض، وكالطهارة بالماء لمن يخاف الهلاك، وهذا التغيُّر في الأحكام بسبب العوارض والطوارئ يعكس البعد الاستشرافي للفقه المستنير.

وفي ضوء هذا الفقه الاستشرافي قرر العلماء قواعد عظيمة للتعامل مع الأزمات والطوارئ تسهيلاً وتيسيراً على الناس، ومنها: قاعدة المشقة تجلب التيسير، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار، التي من فروعها دفع الضرر قبل وقوعه، ووجوب الاحتراز من أسباب الضرر كلها، والتي تعكس جانب الاستشراف وتستوجب وضع الأحكام الشرعية الاستباقية الاحترازية لدفع الأضرار والمخاطر عن الأفراد والمجتمعات قبل وقوعها فضلاً عن معالجتها بعد الوقوع.

ويتَّسم هذا الفقه الاستشرافي بالعناية بالأولويات، وجعل حفظ الضرورات الكبرى على رأسها، والتي من أهمها حفظ النفس من الضرر والهلاك، ولذلك قرر الفقهاء كالقرافي في كتابه (الفروق) أن صون النفوس مقدم على العبادات، بل إن الشرع الحكيم تجاوز عن الإنسان النطق بكلمة الكفر مكرهاً، حفاظاً على نفسه من التهلكة، فهو معذور في الدنيا، مغفور له في الآخرة.

إن أهمية الفقه الاستشرافي لمواجهة الأزمات والتحديات كبيرة، وخاصة في الأزمات العالمية كأزمة كورونا التي يعيشها العالم اليوم، والتي تتطلب من العلماء والمفتين تصور الأزمة تصوراً وافياً، ومعرفة نتائجها وأبعادها وطرق التعامل معها من المختصين في المجالات ذات الصلة بالقدر الذي يعينهم على استنباط الأحكام الشرعية الصحيحة التي يحتاجها الناس في هذه الأزمة، بما يصون أرواحهم، ويحمي مصالحهم، ويصون مجتمعاتهم وأوطانهم، ويعينهم على عبادة ربهم وأداء واجباتهم الدينية، منطلقين في ذلك من نصوص الشريعة الغراء، وقواعدها السمحاء، ومقاصدها السامية التي جاءت لسعادة البشر وخيرهم.

وتحقيقاً لهذا المطلب المهم قام مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي ضمن شراكة متميزة مع رابطة العالم الإسلامي وهيئة علماء المسلمين بإطلاق مبادرة رائدة لإقامة مؤتمر افتراضي دولي حول فقه الطوارئ، لبيان الأسس والقواعد التي يقوم عليها هذا الفقه، ما يدل على التصور الاستشرافي العميق والرؤية المستنيرة التي تتحلى بها هذه المؤسسات، ودورها الريادي في تسليط الضوء على المبادئ والقيم الاستشرافية والعلاجية التي تلبي حاجة المجتمعات في الأزمات والطوارئ.

*رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات