من كان يتخيل هذا؟

في مشهد أعاد إلى الأذهان حادثة إسقاط تمثال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد من قبل القوات الأمريكية الغازية قبل 17 عاماً، قام أهالي مدينة بريستول البريطانية الأسبوع الماضي بربط تمثال تاجر الرقيق الإنجليزي إدوارد كولستون، الذي عاش قبل ثلاثة قرون، بالحبال وأسقطوه أرضاً، ثم جروه في شوارع المدينة، قبل أن يلقوا به في نهر أفون، وهم يهتفون: «حياة السود مهمة».

هل كان تاجر الرقيق الإنجليزي إدوارد كولستون يتخيل بعد كل هذه السنوات، التي حظي فيها بالتكريم من قبل أهل مدينته أن يأتي يوم مثل هذا، وهو الذي كان يعتقد أنه قدم لوطنه خدمات جليلة، يجب أن تشكره عليها الأجيال المتعاقبة، أو كان يتصور أن مقتل مواطن أمريكي أسود، على بعد آلاف الأميال من بريطانيا، على يد شرطي أبيض، سيتسبب في انقلاب أهل بلده عليه، وجر تمثاله في شوارع مدينته، ثم رميه في النهر؟

هل كان تاجر الرقيق الإنجليزي يتخيل أن مقتل مواطن أمريكي أسود، على يد شرطي أبيض، سيتسبب في إعادة نظر الشعب البريطاني في رموز بلاده، التي طالما اعتبرها تاريخية، أو كان يتصور أن يصرح عمدة لندن بأن المزيد من تماثيل «الشخصيات الإمبريالية» قد تتم إزالتها من شوارع بريطانيا، بعد إسقاط نصب تاجر الرقيق إدوارد كولستون في مدينة بريستول؟

هل كان تاجر الرقيق الإنجليزي يتخيل أن مقتل مواطن أمريكي أسود، على يد شرطي أبيض، سيجعل عمدة لندن يشكل لجنة، لضمان أن تعكس آثار المدينة تنوعها، أو كان يتصور أن يؤدي إلى دفع عمدة المدينة للقول: إن اللجنة ستراجع التماثيل والجداريات وفن الشارع وأسماء الشوارع والنصب التذكارية الأخرى، وستنظر في أي إرث ينبغي الاحتفال به؟

هل كان تاجر الرقيق الإنجليزي يتخيل أن مقتل مواطن أمريكي أسود، على يد شرطي أبيض، سيجعل رئيس الوزراء البريطاني يعترف بأن تعرّض الأشخاص الملونين في بريطانيا للتمييز كان واقعاً مراً، أو كان يتصور أن يدفع ذلك رئيس الوزراء العنيد إلى أن يتعهد بأن حكومته ستلتزم بالقضاء على التحيز وبخلق الفرص؟

هل كان تاجر الرقيق الإنجليزي يتخيل أن مقتل مواطن أمريكي أسود، على يد شرطي أبيض، سيجعل نشطاء جامعة أكسفورد يطالبون بإزالة تمثال سيسيل رودس، الإمبريالي الفيكتوري في جنوب أفريقيا، الذي صنع ثروة من المناجم، وكُرِّم بمنحة رودس الجامعية، أو كان يتصور أن يجعل نشطاء أدنبره بأسكتلندا يدعون لإزالة تمثال هنري دونداس، السياسي الذي عاش في القرن الثامن عشر، وأخّر إلغاء بريطانيا للعبودية 15 عاماً؟

من كان يتخيل أن مقتل مواطن أمريكي أسود، على يد شرطي أبيض، سيجعل المشاركين في احتجاجات نهاية الأسبوع في لندن يكتبون على تمثال ونستون تشرشل، الذي قاد البلاد إلى الانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية: «كان عنصرياً»؟!

كان إدوارد كولستون واحداً من كبار تجار الرقيق في القرن السابع عشر الميلادي، وكان عضواً في الشركة الأفريقية الملكية، التي نقلت 100 ألف أفريقي، من بينهم رجال ونساء وأطفال، للعمل في الأمريكتين، إبان فترة العبودية، مات منهم نحو 30 ألفاً خلال عمليات نقلهم، ومن خلال هذه الشركة كون كولستون الجزء الأكبر من ثروته، واستخدم الأرباح للعمل في الإقراض المالي، وقبل وفاته في عام 1721 أوصى كولستون بتخصيص ثروته لصالح الأعمال الخيرية، ولا تزال العديد من المدارس والمباني والمؤسسات الخيرية في مدينة بريستول تحمل اسمه، إلا أن هذا كله لم يشفع له، فكان مصير تمثاله، الذي يرمز إلى عهد العبودية، هو الإسقاط والسحل في شوارع المدينة، ثم رميه في مياه النهر، وتحويل المنصة، التي كانت تحمل التمثال البرونزي إلى منبر لإلقاء الخطب المناهضة للعنصرية، والمطالبة بإنصاف الأشخاص، الذين ينحدرون من أصول أفريقية.

العالم يتغير بشكل سريع ومذهل قبل أن ينهي العشرية الثانية من قرنه الحادي والعشرين، ويبدأ العشرية الثالثة منه، فأي مستقبل ينتظره؟

لا شك في أنه مستقبل غير متخيَّل، فليس فيروس «كورونا» المستجد وحده الذي يسعى العالم إلى القضاء عليه قبل انقضاء عشريته الثانية، ولكنها فيروسات لا تُعَدّ ولا تُحصى، منها فيروس العنصرية، الذي انفجر العالم ضده مع مقتل المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد على يد الشرطي الأبيض ديريك تشوفين، ومنها فيروس الهيمنة الاقتصادية، الذي ظهر مع الاتهامات المتبادلة بين الدول الكبرى بتصنيع فيروس «كورونا» المستجد، ومنها فيروس الكذب، الذي يمارسه الكبار على الجميع دون استثناء، ومنها فيروس الوهم، الذي يعيشه الكثير من البشر، ولا يعرفون إن كان حقيقة أم خيالاً.

تُرى.. من كان يتخيل هذا؟

* كاتب إماراتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات