«كورونا» وغياب اليقين المطلق!

«إذا كان الأطباء والباحثون والخبراء والجامعات والمعاهد العلمية الكبرى والدول المتقدمة في العالم أجمع منقسمين بشأن كل ما يتعلق بفيروس «كورونا» المستجد أو «كوفيد 19» من أول طبيعته وأصله وأعراضه نهاية بكيفية علاجه، فهل نلوم المواطن البسيط في أي دولة حينما تتشوش أفكاره ؟!

العقلاء يقولون إن الشيء المؤكد الوحيد بشأن «كورونا»، هو غياب اليقين، وربما ذلك هو ما دفع غالبية بلدان العالم لفتح الاقتصاد، والعودة للحياة الطبيعية بصورة تدريجية، ورفع شعار «التعايش مع الفيروس» طالما أن العلم لم يكتشف لقاحاً فعالاً حتى الآن.

وزير التعليم العالي المصري د. خالد عبد الغفار، كان محقاً حينما قال الأسبوع الماضي خلال مشاركته في مؤتمر علمي بالفيديو كونفرانس بجامعة طنطا، إن الأسئلة المثارة بشأن «كورونا» تفوق الإجابات بكثير، وإن هذا الفيروس حيّر العالم وجعله «محتاساً».

نسمع كل يوم دولة من دول كثيرة عن قرب اكتشاف لقاح، أو تجربة دواء موجود بالفعل لعلاج الفيروس.

وربما يكون أشهر دواء تم الإعلان عنه كان «هيدروكسي كلوركين»، الذي تحمس له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل وأعلن أنه يتعاطاه، لكن دولاً أخرى قالت إنه تسبب في أعراض ضارة للمرضى، ودول أخرى تؤكد أنه يحقق نتائج إيجابية، ودول ثالثة قالت إنها تستخدمه في بروتوكول العلاج ولكن بمحاذير.

ولا تستخدمه لكبار السن أو ذوي الأمراض المزمنة خصوصاً القلب، دول أخرى مثل اليابان قالت إنها تستخدم دواء «افيجان»، لكنها عادت بعد أسابيع لتقول إن الأمور لا تسير بالصورة المأمولة، ومجموعة ثالثة من الدول أعلنت أنها تستخدم دواء «ريمدسيفير»، ومجموعة رابعة قالت إنها تستخدم «التمامفيلو»، ومجوعة خامسة تعلن عن أدوية أخرى.

كل يوم نسمع عن خطة علاج جديد في بلدان العالم المختلفة، ونتيجة لذلك يتم تحطيم بروتوكول العلاج القديم، وبعدها يتغير التشخيص، وبالتالي تتغير الأدوية، ومعه تعريف المرض نفسه.

في إيطاليا وقبل نحو شهر، قال عالم أدوية إيطالي شهير: إن «كورونا» تغير، ولم يعد هو الفيروس الذي كنا نعرفه، ونواجه الآن مرضاً مختلفاً تماماً.

في المعني نفسه تقول كبيرة العلماء في منظمة الصحة العالمية سومانيان، إنه لا توجد لدينا كرة بلورية، وإذا تحور الفيروس، فقد يصبح أي لقاح جديد غير فعال، وبالتالي فهي تتوقع ألا تتم السيطرة على الفيروس، قبل أربع أو خمس سنوات.

وبينما يحذر كثيرون من موجات تالية للفيروس أكثر شراسة، فإن البروفيسور دافيد روبرستون رئيس قسم الجينوم الفيروسي في جامعة غلاسكو البريطانية يرى أن الفيروس غير قابل للسيطرة عليه، لكن الأمور لن تسوء أكثر مما هي عليه الآن، وخلال الأعوام المقبلة سيصبح فيروساً عادياً ومنتشراً.

وبالتالي فإن اللقاح المنتظر قد لا يكون نهاية متاعب العالم، ومعنى قريب من ذلك قاله الطبيب الفرنسي المعروف ديدييه راؤول رئيس مصلحة الأمراض المعدية في مرسيليا، إن الفيروس سينتهي قريباً، ولا وجود لموجة ثانية منه.

كل يوم نسمع من المرضى ومن الأطباء والباحثين أعراضاً جديدة لـ«كورونا» لم نسمع عنها من قبل.

وطبقاً لتقرير حديث أوردته قبل أيام وكالة بلومبيرغ، فإن معظم أعضاء وأجهزة الجسم لم تعد تسلم من هذا الفيروس. هو يؤدي إلى ما يشبه الإنفلونزا العادية والتهاب الشعب الهوائية والالتهاب الرئوي، وتعطيل الأوعية الدموية، وسكتات دماغية، ومشاكل في العيون، والجهاز الهضمي، والأذنين والقلب والأطراف والكبد والرئتين والكلي والأنف واللسان والجلد وأصابع القدم.

ونسمع كل يوم عن طرق انتقاله، من أول الأنف نهاية بالكلام، مروراً بالأسطح الصلبة، لكن في كل يوم أيضاً نسمع عن نفي لما قيل في اليوم السابق!

وفي هذا الصدد، تقول مها طلعت المستشارة الإقليمية لشرق المتوسط لمكافحة العدوى بمنظمة الصحة العالمية، إن كل المعلومات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي حول وجود لقاح حقيقي مغلوطة، وكل مراكز الأبحاث تتسابق للكشف عن اللقاح.

ومن أفضل ما قيل في توصيف هذه «اللخبطة» إن ضحايا المعلومات المضللة عن «كورونا» أكثر من ضحايا الوباء نفسه!

قبل أسبوعين شبه وزير الأمن الإندونيسي محمد محفوظ، الفيروس بالزوجات، وقال على يوتيوب: «تلقيت منشوراً من زميلي وزير الاستثمار يقول إن «كورونا» مثل زوجتك، حيث تحاول في البداية السيطرة عليها، ثم تدرك أنك لا تستطيع، ثم تتعلم كيف تتعايش معها»!

الوزير أخطأ وأساء للزوجات، لكن علينا بالفعل التعايش مع الفيروس مع أقصى إجراءات السلامة، وربنا يستر.

* رئيس تحرير «الشروق» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات