كبار السن و«كورونا»

منذ بداية ظهور فيروس «كورونا» وتحوّله إلى وباء، تجاهل كثيرون، بمن فيهم ناشطون حقوقيون، تصريحات صدرت في كثير من الدول - ولو على شكل تلميحات - مفادها أن الأولوية في العلاج لليافعين.

عشرات الأطباء أدلوا بشهادات تفيد بالمعنى ذاته، وأقروا بأنهم منحوا الأولوية في أجهزة التنفس الصناعي للشباب، ما يعني ترك كبار السن يواجهون مصيرهم. وثمة تقارير تتحدث عن وقائع مفزعة من الإهمال في دور المسنين الذين فتك بهم المرض.

يمكن القول إن هذه الوقائع لا تمثّل حالة عامة، حيث إن الإنسانية أقوى كثيراً من التمييزية، والرحمة أعلى شاناً من التوحّش. لكن، من المؤسف والمحزن أن يخرج «خبير طبي» أو إعلامي متفذلك للحديث عن الوباء، وفي ذهنه طمأنة الناس، مستخدماً من ضمن عناصر محدّدة تعبير «كبار السن هم الفئة الأكثر تعرّضاً للفيروس». ربما تقول الوقائع والأرقام هذا، لكن أن يصدر عن إنسان، فهو تعبير تمييزي.

كبار السن أكثر استماعاً لوسائل الإعلام، وهم أول من تصلهم هذه الفذلكات البلهاء، بحكم وجودهم في المنازل وقتاً أطول. وهذا يعني أن القليل من كلام «الطمأنة» لفئات من الناس، يحمل في طياته كثيراً من الإحباط لفئات أخرى.

النظر لمسألة أن استهداف الفيروس لكبار السن فيه «منفعة» اقتصادية يعكس وجود فيروس ثقافي وأخلاقي أشد خطورة. فالشباب لم ينعموا بما هم عليه اليوم إلا بفضل ما أوجده لهم هؤلاء المسنون. هؤلاء هم آباؤنا وأمّهاتنا وأجدادنا وجدّاتنا، فهل من إنسان يفرّط في خمس دقائق بقيت من عمر أبيه أو أمّه أو جدّه أو جدّته؟. وهل هذه مكافأة من عبّدوا لنا الطريق بتعبهم وتضحياتهم لكي نمُرّ؟

حياة الإنسان مقدّسة، وحقّه في العلاج مقدّس. من الممكن قبول منح الأولوية في العلاج وفق معيار «الأشد خطورة»، لكن من دون إدخال أي معايير أخرى، ومنها العُمْر، في هذه المعادلة.. لأنها ستكون تمييزاً مقزّزاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات