الأوقاف العصرية

لم تعد الأوقاف مقتصرة على الجانب الديني كبناء دور العبادة والآبار. فهي دخلت أيضاً في مفاهيم عدة منها: «أعطه فأساً ليحتطب» أو «صنارة ليصطاد السمك». فنحن بحاجة إلى أوقاف لا تسد رمق الجائع فحسب، بل تعلمه صنعة أو حرفة أو مهارة تشكل مصدراً لدخله. لماذا مثلاً لا يتوسع الوقف في تدشين المراكز الحرفية أو التدريب المهني وغيرها من أمور عصرية مهمة.

فهناك من يعفّ نفسه عن السؤال لأن كل ما يحتاجه ليس تبرعاً أو رغيف خبز، بل حرفة تسنده. والفارق بين الوقف والتبرع يكمن في أن الأول هو حبس مال يمكن الانتفاع بعوائده. وهو ما يختلف عن التبرع مثل الصدقة، والوصية، والهبة وما شابه.

والأوقاف في الواقع تقف وراء كبريات الجامعات المرموقة في العالم. وتدار من قبل عقليات استثمارية تدرك مدى المخاطر المتدنية التي يمكن لهذا النوع من المشاريع تحملها.

وتملك جامعة هارفارد أحد أكبر الأوقاف في أمريكا وتبلغ ٤٠ مليار دولار. وكذلك جامعة ستانفورد التي لديها أوقاف بقيمة ٢٨ مليار دولار، وجامعة ييل ٢٩ مليار دولار تدر مئات الملايين على البحث العلمي ورفعة الإنسان وتقدمه.

ولهذا فنحن بحاجة إلى قوانين عربية عصرية تنظم حق الجامعات في منطقتنا في امتلاك أوقاف بدلاً من انتظار الدعم الحكومي السنوي. فما تدفعه الحكومات اليوم قد لا يكون متاحاً مستقبلاً، أو قد يصله «مقص التقشف».

وذلك حتى تتحول الجامعة أو المدرسة إلى مشروع قائم بذاته وفق شروط وقفية صارمة ورقابة من قبل الجهات الرقابية كديوان المحاسبة أو المراجعة وما شابه.

في الكويت لدينا تجربة قديمة وعصرية. إذ يعد «مسجد بن بحر» أول وقف موثق في الكويت، حيث يعود تاريخ إنشائه إلى حوالي عام 1695 ميلادية. ومنذ ذلك الحين توالت الأوقاف التقليدية كما في سائر البلدان. ثم صار الكويتيون يوقفون حتى «مصايد السمك» (الحظور البحرية) والنخيل، والدكاكين وغيرها.

ثم دخلت الكويت تجربة عصرية رائدة في المنطقة العربية وهي «الصناديق الوقفية» التي تديرها الأمانة العامة للأوقاف. وإذا استثنينا الأوقاف المتعارف عليها مثل شؤون القرآن الكريم والسنة وبناء المساجد والمدارس والآبار، هناك صناديق ومصارف معاصرة ذات صلة بدعم الدراسات العليا في مجال الوقف، والرعاية الصحية، والمعاقين ورعاية العلم والتكنولوجيا وغيرها.

وقد أخذت التجربة الوقفية الكويتية منذ عام ١٩٩٣ «منحى جديداً لم يسبق له نظير في التاريخ المعاصر على مستوى الكويت وكثير من البلدان الإسلامية» وفق ما ذكرته الأمانة العامة في موقعها الرسمي.

وقد سررت حينما قرأت في تصريح سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، الأسبوع الجاري، بأن تميز الوقف في دبي يعود إلى التوجه الذي أرسى دعائمه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «بتفعيل دور الوقف لخدمة أهداف التنمية المستدامة».

مشيراً إلى أن الإقبال على تسجيل المزيد من الأوقاف «دليل على ترسخ قيمة العطاء بالمجتمع» حتى بلغت قيمة الأصول في مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر في دبي نحو ستة مليارات درهم، انتهى كلامه. وهو مبلغ كبير.

وهذه بالفعل ميزة الوقف، إذ إنه يقوم على فكرة التنمية المستدامة. فبدلاً من إنفاق «مقطوع» (مرة واحدة) لدينا خيار حبس المبلغ ليعود ريعه على مشروعات التنموية الدائمة.

والوقف في عالمنا العربي يحتاج إلى تعزيز ثقافته. فلا بد أن نعلم أبناءنا في المدارس فكرة الوقف. وأن يكون في كل مدرسة مشروع وقفي عصري يخدم الناس المحتاجة.

وكذلك الشركات الكبرى لم لا تفكر في أعمال وقفية (إن كان ذلك متاحاً قانونياً أو شرعياً)، بدلاً من صرف مئات الملايين «سنوياً» على ما يسمى بأنشطة المسؤولية الاجتماعية تعقبها حفلة إعلامية سرعان ما ينساها الناس.

ولو أوقفت في عام واحد أصلاً أو مبلغاً محدداً وأحسنت إدارته جهة مختصة لصار مشروعاً يشار إليه بالبنان لدور القطاع الخاص في تنمية المجتمع بصورة مستدامة.

وجميل أن تختار العائلة الوارثة الميسورة عقاراً أو مالاً قد يشكل خلافاً عائلياً ليكون وقفاً لهم أو لوالديهم. فهو نماء للمجتمع وسد لباب خلاف مستقبلي متوقع.

ويمكن أيضاً التعاون مع كتاب المسلسلات الهادفة بتزويدهم بقصص حقيقية عن أوقاف أهل البلد لتخرج في ثنايا المشاهد التلفزيونية ليتذكرها جيل بعد آخر.

الوقف هو فكرة نبيلة لتنمية المجتمع، ولا ينبغي أن يصبح مقصوراً على مصارفه التقليدية. فمع تقدم المجتمعات ظهرت حاجات ماسة تحتاج من يدعمها مادياً عبر أوقاف متينة تضمن فكرة الديمومة والاستقرار.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات