«ليس أسود بما فيه الكفاية»

في المجتمعات التي تلعب فيها المسألة العرقية دوراً مهماً، يحدد لون بشرة الفرد مستقبله، وربما هويته. والقضية تذهب، في بعض الأحيان، لما هو أبعد من لون البشرة، إذ تمتد لدرجة ذلك اللون. فمن البرازيل للهند، مثلاً، هناك انحياز لأصحاب البشرة السمراء، بالمقارنة بأصحاب البشرة الداكنة، وتلك بالمقارنة بالبشرة السوداء. وهي الفروق التي أحياناً ما تتقاطع مع الجانب الطبقي والاجتماعي والثقافي.

والمسألة لا تختلف كثيراً عنها في الولايات المتحدة، بالمناسبة. صحيح أن التمييز الأكثر أهمية، هو بين البيض القوقاز وغيرهم، الذين يسمون عموماً «بالملونين»، وصحيح أن العنصرية الأكثر شراسة موجهة للسود تحديداً، بالمقارنة بالأقليات الأخرى، إلا أن سواد البشرة بالولايات المتحدة، أمر بالغ التعقيد والتشابك، حتي داخل الجماعة السوداء نفسها.

فنظراً لتاريخ العبودية الطويل، وما تلاه من الفصل العنصري، ثم العنصرية المؤسسية، التي تطل برأسها حتى اليوم داخل المجتمع الأمريكي، تمثل درجة لون البشرة، لا لونها فقط أهمية. وتقول الدراسات الاجتماعية والسياسية، إنه من منظور البيض، ولسبب غير مفهوم، لا يشكل أصحاب البشرة السمراء التهديد نفسه الذي يمثله أصحاب البشرة السوداء.

ومن هنا، صحيح أن كليهما ينتميان عملياً للجماعة السوداء، إلا أن أصحاب البشرة السمراء، لديهم فرص أعلى في التعليم والحصول على الوظائف، بالمقارنة بأصحاب البشرة الداكنة والسوداء. وتزداد المسألة وضوحاً، عندما ينتمي صاحب البشرة السمراء للطبقة الوسطي، التي عادة ما تمتلك مدخرات تسمح لها بالحصول على سكن في أحياء معقولة، ذات خدمات كفؤة، أو حتى إيجاد موطئ قدم في أحياء البيض. والسكن هو ما لم تفلح حركة الحقوق المدنية في إنهاء الفصل العنصري فيه.

والفصل الفعلي الحالي، معناه أن تظل مناطق السود فقيرة الخدمات والإمكانات. وقدرة أصحاب البشرة السمراء على النفاذ لأحياء البيض، أو لأحياء متاخمة لها، يعني مدارس أفضل للأبناء، ومن ثم فرص أفضل للالتحاق بالجامعات المتميزة، الأمر الذي سيعني لاحقاً، القدرة على الحصول على وظائف متميزة. وأصحاب البشرة السوداء، هم الذين يتعرضون لأبرز أشكال التمييز، وهو ما يزداد وطأة، ويتضاعف بالنسبة للمرأة السوداء، إذ ترتبط به أفكار تحدد قوالب ومعايير للجمال عند المرأة، يفرضها المجتمع فرضاً، وتؤثر في مقدراتها.

غير أن ذلك التقاطع بين درجة لون البشرة والطبقة الاجتماعية، يحدث في ذاته تباعداً داخل الجماعة السوداء نفسها. فالسواد بالولايات المتحدة، ليس مجرد لون البشرة، وإنما هو منظومة اجتماعية وثقافية شاملة. لذلك، حين يمثل ذلك التقاطع تماهياً مع ثقافة البيض، تحدث تلك الفجوة. فأصحاب البشرة السمراء من الطبقة الوسطي والعليا، يعيش بعضهم في أحياء البيض، أو في أحياء متاخمة لها، ويذهبون لمدارس خاصة، أغلب تلاميذها من البيض، ثم يلتحقون بجامعات لها ذات الطابع. وهم في ما بعد يعملون في مؤسسات وشركات أغلبيتها من البيض أيضاً، الأمر الذي يعني تأثرهم العميق بثقافة البيض، ورغبتهم في الاحتفاظ بمكانتهم، عبر التماهي مع تلك الثقافة.

وقد يؤدي ذلك كله، لانفصالهم عن واقع باقي السود الحياتي، وعجزهم عن فهم تعقيداته ومآلاته، ما يزيد الفرقة. بل ويجعل بعضهم أداة لانتقاد باقي السود من الطبقات الأدنى، وتحميلهم المسؤولية عن أوضاعهم المتردية، تماماً مثلما يفعل المحافظون البيض. فعلى سبيل المثال، كان الممثل بيل كوسبي، قبل فضائحه الأخيرة، كان نموذجاً فجاً لاستخدام العبارات نفسها التي يستخدمها اليمين الأمريكي للهجوم على السود. لذلك، يطلق السود على أمثاله تعبير «ليس أسود بما فيه الكفاية»، رغم أن كوسبي تحديداً، كان صاحب بشرة سوداء لا سمراء.

فالمقصود بالتعبير، ليس أن أمثاله أصحاب بشرة فاتحة، وإنما أنهم لا يعرفون شيئاً عن معاناة الأغلبية الساحقة من السود. والمفارقة، هي أن البيض يستخدمون التعبير نفسه، ولكن بدلالات إيجابية، ففلان «ليس أسود»، بمعني أنه لا علاقة له بثقافة السود وتاريخهم ومظالمهم.

* كاتبة مصرية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات