«محمد نبي السلام»

في هذه الأيام الفضيلة من شهر رمضان المبارك، نتذكر موضوعاً مهماً حول منظور الإسلام للعلاقات الدولية. وقد وُجّهت سهام الاتهام للإسلام والمسلمين على أن الدين الإسلامي يشجع بل يحث اتباعه على العنف. وقد جاءت هذه الاتهامات في سياق الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

ويتحجج كثير من المعادين للإسلام أن معظم الأعمال الإرهابية هي من قبل مسلمين يحملون شعار الإسلام. ولا شك أن تنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» يطلقون على أنفسهم تنظيمات إسلامية ويحملون شعارات إسلامية. وأن منطقة الشرق الأوسط مسرح للإرهاب والعنف السياسي.

ولكن الحقائق تشير إلى عكس ذلك. ففي تقرير صدر مؤخراً ونشر في صحيفة «نيويورك تايمز» (العدد الصادر في 20 فبراير 2020)، فإن أعمال الإرهاب من العنصريين البيض باتت تحتل المرتبة الأولى. وقد تصدر الإرهاب الأبيض إلى المرتبة الأولى، بينما تراجع إرهاب «القاعدة» و«داعش» إلى المرتبة الثالثة حسب وزارة الأمن الوطني الأمريكي.

ومع ذلك ترى أن الإسلام متهم بتشجيع الإرهاب بسبب قلة قليلة من المسلمين المنشقين عن مجتمعاتهم الذين يحملون زوراً راية الإسلام، ويرتكبون أعمال عنف جَرَّمَتها كافة الشعوب والحكومات المسلمة، بل إن كثيراً من الدول الإسلامية تشارك في مكافحة آفة العصر وهو الإرهاب.

ويبقى السؤال لماذا يُتهم دين يدين به جزء عظيم من البشر في العالم بهذه الظاهرة دون غيره، رغم أن الحقائق تشير إلى أن ظاهرة الإرهاب ليس لها لون أو جنس أو دين؟ بلا شك فإن السبب يعود إلى التحيز ضد هذا الدين، وإلى الجهل به وإلى أسباب سياسية تتعلق بجماعات المساندة لإسرائيل.

وقد اطلعت على كتاب نشره البروفيسور خوان كول بعنوان «محمد نبي السلام» في خضم تصادم الإمبراطوريات. والكاتب أستاذ في جامعة ميتشغان العريقة حيث يدرس تاريخ الشرق الأوسط المعاصر.

وله مؤلفات عديدة حول شؤون الشرق الأوسط مثل الانخراط مع العالم الإسلامي والعرب الجدد. وقد قرأت تاريخ الشرق الوسط الحديث على يديه عندما كنت طالباً في الدراسات العليا.

ويقول الكاتب في مقدمته إن هذا الكتاب يعيد تفسير بزوغ الإسلام كرسالة سلام متأثرة بالحروب مصاحبة للصراع الديني والتي أريقت فيها دماء لعقود. وبسبب ما حصل من صراع بين المسلمين والمسيحيين لقرون تم التركيز على البعد القتالي للإسلام على حساب بعد السلام الذي أسس عليه الدين.

ويعتمد الكاتب في مصادره الأولية على نصوص القرآن الكريم ويستنبط منها الرسالة السماوية التي تحث على السلام في زمن الحروب الطاحنة بين الإمبراطوريتين الساسانية الفارسية والرومانية.

ويقول إن الرسول قضى نصف البعثة وهو يتصور بديلاً لمجتمع قائم على السلم الأهلي. ويوضح أن القرآن يحض بشكل مستمر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى التسامح مع من ظلم والدفع بالسلام على من عَادَى المسلمين.

ويضيف الكاتب أن القرآن يحرم العدوان ويحث على السلام حتى في ظروف الصراع والحروب. وأن القرآن يبيح الدفاع عن النفس كضرورة غير محببة لما يكلف من زهق للأرواح. وأن القتل المتعمد تصفية عرقية في إشارة إلى الآية الكريمة «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» (صدق الله العظيم).

وقد استقبل الكتاب من قبل بعض الدارسين المشهورين للإسلام وتاريخ الشرق الأوسط بكثير من الحماس. وقَرَّضَ الكتاب عدة علماء مثل يوجين روجن المؤرخ الشهير في جامعة أكسفورد البريطانية، وجون اسبسيتو الأستاذ المتميز في جامعة جورج تاون الأمريكية.

هذا كتاب مهم يجب الاطلاع عليه ويجب ترجمته إلى اللغة العربية. مهم لأنه خطاب مناقض للخطاب السائد في الغرب، والولايات المتحدة بالذات. واطلاع العرب والمسلمين أهم لمعرفة الأصول السلمية لدينهم الحنيف، والذي يقر بها غير المسلمين المنصفين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات