المنسي الذي لم يعد منسيّاً

من بين عشرات المسلسلات التي تزخز بها شاشات القنوات التلفزيونية العربية في شهر رمضان المبارك، يقدم مسلسل «الاختيار» نفسه عملاً درامياً هادفاً ومختلفاً، يبتعد بفارق كبير عن معظم الأعمال الدرامية المعروضة في هذا الشهر، من حيث القصة، ومن حيث التناول البعيد عن الإسفاف، ومن حيث جودة الإنتاج وأداء الممثلين ودقة الإخراج.

قصة المسلسل وطنية تظهر الفرق الكبير بين الإخلاص للوطن وبين الخيانة التي انزلق إليها بعض الذين ضللتهم الأفكار المتطرفة البعيدة عن الدين الحق الذي نزلت به الرسالات السماوية، ودعا إليه الرسل منذ أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وحتى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.

يجسد هذا الفرق بطلا المسلسل الضابطان المصريان أحمد المنسي وهشام عشماوي، اللذان تربيا في حضن الجيش المصري، فانحاز أحمد المنسي للوطن واختار أن يكون مقاتلا في صفوف الذائدين عنه، بينما غامت الرؤية أمام عيني هشام عشماوي فانحاز للمتطرفين، واختار أن يحمل السلاح في وجه حماة الوطن ويسفك دماءهم.

القصة كما يعرف الجميع حقيقية، وبطلاها معروفان، ذهب أحدهما شهيدا وهو يحارب الإرهاب والإرهابيين في أرض سيناء، وأُعدِم الثاني بعد أن ارتكب من المجازر الكثير الذي ذهب ضحيته عدد كبير من الضباط والجنود المصريين، وعدد آخر من المدنيين الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أن فتاوى مشايخ الإرهابيين أباحت دماءهم وسوغت قتلهم، عندما لم يجدوا مخرجا من التضحية بهم.

جمعت الاثنين كتيبة واحدة في القوات المسلحة المصرية، كما جمعهما قَسَمٌ على حماية أرض مصر والذود عن تراب الوطن.

وقد حافظ العقيد أركان حرب أحمد المنسي، قائد الكتيبة 103 صاعقة، على قسمه وظل وفيًّا له حتى فاضت روحه إلى بارئها شهيدا حاملا سلاحه يوم 7 يوليو 2017م، في كمين «مربع ألبرت» بمدينة رفح المصرية في سيناء، بعد أن تعرض هو ورفاقه لهجوم إرهابي من قبل مسلحي الجماعات الإرهابية المتطرفة، حيث أصيب بطلقة رصاص وهو فوق سطح المبنى الذي تمت محاصرته من قبل الإرهابيين المسلحين، وقد ظل حتى آخر نفس فيه يطلق النيران دفاعا عن كتيبته وزملائه.

أما هشام عشماوي فقد نكث بالقسم بعد أن تسمم عقله بالفكر الإرهابي، وظهرت عليه علامات التطرف أثناء عمله في الجيش، ثمّ تفاقمَ الوضع عقب وفاة والده عام 2010 قبل أن يحال للمعاش عام 2011 بناء على تقرير طبي، وفقا لكلام زوجته، ليحتضنه تنظيم القاعدة الذي انضمّ إليه متأثرا بأفكاره، ثم انخرطَ عام 2012 في تنظيم أنصار بيت المقدس، لكنّه انشق عنه عام 2015 عندما أعلن التنظيم ولاءه لداعش، وشكّل تنظيمهُ الخاص الذي سمّاه «المرابطون» رابطا نفسه بتنظيم القاعدة، واتخذ من ليبيا مقرا لنشاطه.

في مسيرة حياة البطل الشهيد أحمد المنسي محطات كثيرة مشرقة وزاخرة بالدفاع عن مصر ومحاربة الجماعات الإرهابية التي استهدفت أمن الوطن وسلامة أفراده، بينما زخرت حياة هشام عشماوي بالعديد من العمليات الإرهابية التي استُشهِد خلالها عدد من الضباط والجنود والمدنيين؛ منها محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري الأسبق محمد إبراهيم، ومذبحة كمين الفرافرة التي راح ضحيتها 28 ضابطا، واغتيال النائب العام المصري هشام بركات، وهجوم واحة باهاريا الذي تسبّب في مقتلِ ما بين 16 إلى 54 من أفراد الأمن، والهجوم على حافلات الأقباط بالمنيا.

سلسلة عمليات إرهابية كان يمكن أن تتواصل لولا أن تم إلقاء القبض عليه من قبل الجيش الوطني الليبي في مدينة «درنة» التي استقر فيها ليدير منها عمليات تنظيمه الإرهابي بالتعاون مع ما يسمى «مجلس شورى مجاهدي درنة» الإرهابي الليبي، وتم تسليمه إلى السلطات المصرية، لتكون نهايته الإعدام جرّاء ما ارتكب من جرائم في حق وطنه مصر التي تستهدفها التنظيمات الإرهابية لدورها المحوري في محاربة الإرهاب، وفي حق جيشها الباسل الذي يبذل أبناؤه دماءهم رخيصة للقضاء على الإرهاب والإرهابيين، وفي حق شعب مصر العظيم الذي يرفض الإرهاب والتطرف.

على وتر التباين والفروق بين الشخصيتين الرئيسيتين في هذه القصة المستمدة من الواقع عزف أبطال مسلسل «الاختيار» ومخرجه وطاقمه الفني سيمفونية رائعة، في عمل درامي مسح عن نفوسنا الكثير من الغث الذي تزخر به مسلسلات هذا العام التي عزف بعضها على وتر الخيانات والضغائن بين الأخوة والأشقاء، ونحا بعضها الآخر تجاه الكوميديا الهزيلة التي تحاول استدرار ضحكات المشاهدين بالمواقف السخيفة والمستهلكة والمبالغة في الأداء والإيغال في التفاهة، الأمر الذي جعل من مسلسل «الاختيار» استثناءً بين مسلسلات هذا العام، وأكد أن بطل قصته الحقيقي أحمد صابر المنسي لم يعد منسيّاً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات