التشريع العربي للعمل عن بُعد

عندما يتعلق الأمر بفرض أنظمة عمل جديدة، عادة ما تتريث الدول أو الجهات في انتظار أحد يتقدم بجديد. الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية في الإمارات قد حسمت أمرها بتطبيق تشريع جديد يقضي بفرض نمط عمل رئيسي وهو «العمل عن بعد»، لزمن الكورونا وما بعده.

ويقوم هذا النمط غير المسبوق في الوطن العربي، من ناحية حجمه وشكله، على معايير عديدة، منها أن تكون الوظائف «ذات طبيعة قابلة للقياس وللأتمتة، وتتطلب مدخلات معينة محددة يتم التعامل معها وفق أنظمة إلكترونية، فضلاً عن أي معايير أخرى تقرها الجهة بالتنسيق مع الهيئة الاتحادية للموارد البشرية».

وهذا يضع حداً لمن يحاول أن يطلق العنان لتفكيره باعتقاده أن نداءات العمل عن بعد في منطقتنا تشمل كل الوظائف وكل الناس.

وهو أمر يصعب تطبيقه على أرض الواقع. الأمر الذي يتطلب ارتباط المشروع بمعايير محددة ومرحلة تجريبية. وهذا ما حدث، فقد جاء المشروع الجديد بناء على نتائج التطبيق التجريبي في الحكومة الاتحادية عام 2017. وهو مؤشر على أهمية عدم التسرع في هذا المشروع من دون فترة تجربة وتقييم.

إذن نحن أمام مشروع يهدف إلى «توفير خيارات متعددة للموظفين وجهات عملهم، واستقطاب الكفاءات المتميزة، وخفض التكاليف التشغيلية، وتوفير الخدمات خارج ساعات العمل الرسمية، وتوفير فرص عمل جديدة» غير تقليدية.

فكم من أم مثلاً لديها استعداد بأن تقوم بهذه المهمة على أكمل وجه خصوصاً في ظل ارتباطها بمولودها الجديد مثلاً أو انشغال أحد الوالدين برعاية والديه المسنين المرضى، أو ابنه المعاق جسدياً الذي يتطلب رعاية كبيرة.

ولا ننسى أنه في هذا العالم يحمل أحد الزوجين بمفرده هموم ومسؤولية أسرة كاملة بعد وفاة شريكه الآخر أو انفصاله. وهذا يتطلب أيضاً توافر خيارات عمل مرنة للناس. فالأمر ليس مرتبطاً بزمن الأمراض والحروب لا قدر الله.

ومن أنواع العمل عن البعد «النظام الجزئي وهو ما يخول الموظف بناء على موافقة جهة عمله أن يقسم وقت عمله بين مقر العمل الرئيسي وموقع يختاره للعمل عن بعد». ولضمان سلامة الإجراءات وحسن التعامل مع النظام، فإن الموظف الجديد يمنح ستة أشهر على سبيل التقييم أو التجربة حسبما قرأت.

وهناك جزئية في غاية الأهمية وهي مسألة سرية المعلومات وضرورة تغليظ العقوبات على من يفشي أي معلومات مرتبطة بخصوصية المراجعين أو جهة عمل الموظف. فبمجرد القيام بجولة تفقدية سريعة على وسائل التواصل الاجتماعي يدهش المرء من حجم التسريبات من شتى الجهات في الوطن العربي. وهي مسألة تحتاج إلى وقفة صارمة عند تطبيق البلدان العربية لهذا النظام.

وربما هذا ما دفع الإمارات مثلاً إلى وضع معيار أخلاقي مهم وهو أن تناط مهمة العمل عن بعد «بمن يتمتعون بالأمانة والمصداقية، ويلتزمون بجودة المخرجات ودقة البيانات، وسرية المعلومات، والأهم من ذلك أن يكون مستوى أداء الموظف ضمن أداء يلبي التوقعات». وهذا يعني أنه ليس كل من «هب ودب» يوكل إليه شرف العمل عن بعد لخدمة وطنه ومواطنيه. فهذه مسؤولية كبيرة وجادة.

وقد جرى العرف في العمل الإداري والسياسي والتجاري وغيره أن تستفيد الناس من الأزمات في تطوير آلية عملها عبر مزيد من التجديد والتطوير والتحسين المستمر. هكذا تتقدم المؤسسات وتنهض. ولذا كان في الأزمات على مر التاريخ فرص عديدة. فلحسن الحظ يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة. وإذا لم نحسن التعامل مع الفرصة تحولت الفرصة نفسها إلى أزمة جديدة.

أما للمترددين من التغيير فنقول إن التغيير عادة ما يتطلب قبولاً، وفي الأزمات يتقبل الناس التغيرات والقصور والأخطاء وليس هناك أفضل من أزمة كورونا لإطلاق المرحلة التجريبية. على الأقل تقدير قد يتقبل البعض تعليق أخطاء التطبيق الأولى على شماعة الأزمة وهو ما يمنح المؤسسات متنفساً للتحسين والتطوير حتى يأتي التوقيت المناسب لوضع تشريع عربي للعمل عن بعد.

وخلاصة القول إنه إذا لم تخطُ البلدان العربية خطوة في أزمة كورونا تجاه العمل عن بعد فسوف ينطبق على حالها المثل الخليجي «لا طبنا ولا غدى الشر». وربما تعود حليمة إلى عادتها القديمة نحو مزيد من العمل البيروقراطي وحفلة «الدورة المستندية» الورقية التي لا تنتهي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات