مسبار الأمل وتجسيد ثقافة الريادة والعمل

قبل خمس سنوات، وتحديداً في عام 2015م، تمّ تأسيس مركز محمد بن راشد للفضاء، تجسيداً للعزيمة القوية والإرادة الجازمة لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في الدخول إلى قلب العصر الحديث وعلومه التقنية، التي كانت وما زالت حكراً على الأمم الأخرى خارج الإطار العربي الإسلامي، ولا سيما علوم الفضاء، التي لا تجرؤ شعوب العالم الثالث على مجرد التفكير بها، فضلاً عن الانخراط في تحمّل أعبائها وتحدياتها ونفقاتها الباهظة، لكنّ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد هو الرجل الذي تسير حياته، ضمن رؤية ثاقبة تتأسس على فكرة شخصية وجماعية صارمة هي (نحن لا نعرف المستحيل)، وفي ضوءِ هذه الفكرة، وتفعيلاً لها في عالم الواقع تمّ إنجاز ما يشبه المستحيل في جميع مرافق الدولة، التي أصبحت نموذجاً حضارياً تستلهمه الأمم المتقدمة، وترى فيه تعبيراً عن القوة الفاعلة حين تريد تحقيق المهام الصعبة، والأهداف العالية البعيدة.

إنّ المهمة الأساسية لهذا المركز الرائد هي تنفيذ مشروع (مسبار الأمل) المخصص لاستكشاف كوكب المريخ، وتمّ تحديد الإطار الزمني لهذه المهمة الكبيرة، حيث سيتمّ إرسال المسبار عام 2021م وهو العام الموافق للذكرى الخمسين لتأسيس اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971م، بجهود حثيثة مخلصة دؤوبة من طيب الذكرى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، طيب الله ثراه، يسانده في مشروعه الوطني الكبير المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، حيث توحّدت السواعد والزنود، والتقت إرادة حكام البلاد جميعاً على أن يكون للوطن لواؤه الشامخ، فكان ذلك الميلاد المبارك الميمون، الذي جعل من هذه البلاد بلاداً عظيمة، بما توفّر لها من سياسة راشدة، تحكم بالحكمة والمحبة، وتُدير شؤون البلاد بما يرتقي بالوطن والإنسان إلى المكانة العالية، فكان من الوفاء لهذه الذكرى التاريخية المجيدة في تاريخ الوطن أن يكون هذا الحدث الجليل (مسبار الأمل) مرتبطاً بهذه الذكرى العزيزة على قلب كل مواطن شريف.

وفي الثاني من شهر رمضان المبارك الموافق الخامس والعشرين من شهر مارس عام 2020م، أعلن صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد عن إنجاز إحدى أهمّ المراحل النهائية لإطلاق (مسبار الأمل) تحت إشراف فريق متكامل من المهندسين الإماراتيين، الذين واصلوا العمل رغم الظروف الاستثنائية، التي تمرّ بها البشرية عامة، وأنجزوا المهمة في زمن قياسي استغرق (ثلاثاً وثمانين ساعة)، مختصراً بذلك نصف الكُلفة، وأربعين في المئة من المدة الزمنية، حيث تمّ إنجازه في ستّ سنوات على الرغم من أن المدة المعتادة هي عشر سنوات، وقد عبّر سموه عن سعادته البالغة بهذا الإنجاز، حيث كتب على حسابه الرسمي في «تويتر» كلمة دالة على عمق الإحساس بالفخر بهذا الإنجاز الذي سيكون رمزاً للأمة كلها: العربية والإسلامية، وليس إنجازاً إماراتياً فحسب: (بحمد الله تمّ إنجاز إحدى أهمّ المراحل النهائية لإطلاق أول مسبار عربي إسلامي إلى المريخ، عبر نقله من مركز محمد بن راشد للفضاء في دبيّ إلى محطة الإطلاق في جزيرة تانيغاشيما باليابان، تحت إشراف فريق من مهندسينا الإماراتيين في عملية استغرقت 83 ساعة من العمل المتواصل.. مسبار الأمل للمريخ قريباً).

وتابع سموّه موضّحاً الظروف الصعبة التي اعترضت العمل لا سيما في هذه المرحلة، وكيف أن مهندسي الإمارات لم تَلِنْ لهم عزيمة وهم يعملون في تنفيذ هذا الحلم/ الأمل، فعلى الرغم من توقف ظروف السفر عالمياً، ورغم الاحترازات الصحية العالمية، إلا أن فريق المهندسين ظلّ يواصل العمل وفق الجدول المعتمد لإنجاز أهم مشروع علمي فضائي في منطقتنا، حيث تمّ تطوير المسبار في أقلّ من المدة المعتادة عالمياً، وبنصف الكلفة، لتحقيق الهدف الواضح وهو: إطلاق المسبار في موعده المحدد وفق الجدول المعتمد.

وبالنبرة الفخورة نفسها بهذا الإنجاز العلمي المتقدم ختم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد كلمته بقوله: (إن مسبار الأمل هو إنجاز يمثّل نقطة تحوّل للعالمين العربي والإسلامي في مجال الفضاء.. الوصول للفضاء لم يكن هدفه علمياً فقط، بل هدفه أن نرسل رسالة للجيل الجديد في عالمنا العربي بأننا قادرون، وبأن لا شيءَ مستحيل... وبأنّ قوة الأمل تختصر المسافة بين الأرض والسماء).

إن هذه الرؤية الثاقبة، والبصيرة المستنيرة والطاقة المتسلحة بالأمل هي الرهان الحقيقي في إحراز فكرة التقدم، والوقوف في الصف الأول بين الأمم المتقدمة، فقد مضى زمن طويل على العالم العربي والإسلامي وهو يقف موقف المتفرج على الإنجازات العلمية الباهرة، التي تنجزها الإنسانية في مختلف أصقاع الأرض، وقد آن الأوان لهذه الأمة المتحضرة، التي كانت تضيء جنبات الأرض بأنوار العلم والمعرفة أن تعود إلى المشهد الإنساني، وتسهم في تطوره وتقدمه إسهاماً يليق بمكانتها الحضارية الضاربة في أعمق نقطة من الحضارة، فالغياب الطويل لم يعد مقبولاً، لا سيما بوجود كل العناصر، التي تتكفل بالعودة الحميدة للإنسان العربي المسلم إلى واجهة الفعل الحضاري، وفي مقدمة ذلك استعادة الثقة بنفسه، والدخول في قلب المعترك العلمي، والانخراط القوي اللائق بهذا الإنسان الذي كان صانعاً للتاريخ والحضارة، يؤازره على تنفيذ هذا الحضور إرادة سياسية حازمة، ورؤية ثقافية عميقة، تفتخر بالإنسان العربي، وتنفق بسخاء ومسؤولية في سبيل استعادة الحضور العالمي للعرب والمسلمين، وهو ما يتجلى في أروع صوره الباهرة في البرامج العلمية الضخمة، التي يرعاها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد بقلبه وعقله وإرادته الصلبة التي لا تعرف المستحيل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات