المسيرة السلمية.. وجهات نظر

بعث لي الصديق الباحث البريطاني نيل بارتريك بملخص حول اجتماع تم في لندن بين خبراء في الشؤون العربية ناقشوا فيه المسيرة السلمية. وقد تعددت الآراء حول هذا الموضوع ومآلاته في خضم الأحداث الأخيرة. ورأيت أن من المهم للقارئ في المنطقة أن يطلع على هذه المداولات بين الاختصاصيين في دولة مهمة مثل بريطانيا. وقد عقد الاجتماع تحت قاعدة «تشاتم هاوس» للحفاظ على سرية المشاركين ومكان الانعقاد.

وقد رات الاغلبية من المجتمعين أنه من واجب الفلسطينيين رفض المبادرة الاخيرة، بينما رأت الاقلية أن على الفلسطينيين أن يتعاملوا مع المبادرة حتى يمنعوا إسرائيل من ضم مزيد من الأراضي الفلسطينية. وفي نفس الوقت يجب على الفلسطينيين البحث عن الاعتراف الأممي لدولة فلسطينية بناء على القوانين الدولية والاعترافات التي اكتسبها الفلسطينيون من المجتمع الدولي.

وهناك مسألة السيادة للدولة الفلسطينية العتيدة. فبالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فإن مفهوم السيادة أضحى مفهوماً غير متبلور لجهة ما يشهده العالم من تحولات في علاقاته. وبذلك فإن السيادة الفلسطينية ستكون محل تجاذب بين الدولة الفلسطينية المتوقعة وإسرائيل.

وستتولى إسرائيل حماية دولة فلسطين والتي ستكون منزوعة السلاح. وستترك مسألة الأمن الداخلي للفلسطينيين. كما يحق لإسرائيل اختراق أراضي الدولة الفلسطينية إذا ارتأت إسرائيل أن الفلسطينيين لا يلتزمون بالترتيبات الأمنية. وعلى هذا الأساس سيكون مقدراً التواجد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية بمقدار التزام الفلسطينيين بالسلوك الذي تتوافق معه إسرائيل. ويرى كثير من المشاركين (وليس الجميع) أن كثيراً من ملامح الدولة المقترحة تتماهى مع نظام الأبارتايد العنصري في جنوب أفريقيا.

وأوضح أحد المشاركين في النقاش أن هذه المقترحات ما هي إلا مجرد لحظة سياسية تعبر عن نمط تفكير مؤقت، وإن تجاوز الإدارة الأمريكية الحالية سيؤدي إلى تغيير في نمط التفكير بالنسبة لإيجاد الحل الأمثل لهذا الصراع. وقد حظيت هذه الفكرة بدعم كثير من الحاضرين.

وبالنسبة لبريطانيا ودورها المرتقب في إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية، يرى البعض أنه مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الأخيرة ستبحث عن دور عالمي لها بعد أن تخلصت من أعباء ومسؤوليات الاتحاد الأوروبي. وبما أن بريطانيا هي التي أعطت وعد بلفور وخلقت الكيان الإسرائيلي فإنه من المطلوب أن تقود عملية السلام في المنطقة كتتمة لموضوع إنشاء إسرائيل.

ولكن الآخرين لم يستسيغوا الفكرة. ويقول هؤلاء إن بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي ستبحث عن علاقة تجارية مع الولايات المتحدة، وإن مشكلة فلسطين لا تشكل أولوية، وإن القول بأن بريطانيا ستسعى إلى استعادة دورها التاريخي في فلسطين ضرباً من الوهم.

وحاج بعض الحضور أن على الفلسطينيين أن لا يكتفوا بالرفض وحسب، بل عليهم أن يقدموا مقترحات بديلة بناءة، وعلى الفلسطينيين التعلم من الصهاينة قبيل تأسيس دولتهم، وأخذ ما يحصلون عليه والبناء على أي تنازل مقدم لهم من إسرائيل. وأشار البعض إلى الفرصة الضائعة في 1964حين اقترح الرئيس التونسي الراحل، الحبيب بورقيبة، بأن يتبع الفلسطينيون مبدأ خذ وطالب.ويرى بعض المشاركين أن أهم دولة عربية للعب دور رئيس في العملية السلمية هي الأردن، والتي تضطلع بمسؤولية تاريخية تجاه القضية الفلسطينية. فالأردن يحتوي على أكبر جالية فلسطينية، كما أن للأردن مسؤولية مباشرة على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس، ويشكل الأردن أيضاً منفذاً اقتصادياً للدولة الفلسطينية المزمع إقامتها في الأراضي المحتلة.

والدور المنوط بالفلسطينيين، حسب المشاركين، هو الحصول على اعتراف إقليمي ودولي، وأن هناك قاعدة جيدة لبناء هذا التحالف. ويشكل العالم العربي عمقاً استراتيجياً مهماً للفلسطينيين. وأشار أحد المشاركين في النقاش إلى أن هناك مبادرة سعودية تبنتها الجامعة العربية في 2002، والمعروفة بالمبادرة العربية والتي قد تشكل خياراً بديلاً. وتقترح المبادرة العربية إقامة دولة فلسطينية في حدود ما قبل يونيو 1967 مقابل اعتراف كامل وعلاقة دبلوماسية مع إسرائيل.وهناك اعتراف دولي سيمنع إسرائيل من محاولة قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، وخاصة أن الفلسطينيين حصلوا على اعتراف من بعض الدول الأوروبية الصغيرة، وأن الأسس الشرعية لدولة فلسطين قائمة ويجب السعي لتقوية هذه الشرعية حتى إن لم تكن قائمة واقعياً على الأرض.

نقاش عميق عن قضية باتت عصية على الحل، لكنها تشغل الرأي العام العالمي والإقليمي.

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات