«إكسبو».. القرار الرشيد

بقدر ما سعدت باستعداد أرض عربية لاستضافة إكسبو 2020، الذي يزوره ملايين الناس من حول العالم، بقدر ما كانت سعادتي بطلب الدول المشاركة من الإمارات تأجيل انعقاده، بسبب تفشي وباء العصر فيروس «كورونا» المستجد (كوفيد-١٩).

الاستجابة لرغبة التأجيل في ظل استعداد الدولة لإقامته ليس بالأمر الهين، غير أن تلك الرغبة جاءت في الوقت المناسب عبر اجتماع لجنة تسيير «إكسبو 2020 دبي»، والذي جرى عن بعد، إذ أكد ممثلو البلدان المشاركة تضامنهم مع المجتمع الدولي على اعتبار أن الكثير من المشاركين قد تأثرت أقطارهم بانتشار هذه الجائحة، ودعت إلى تأجيل الافتتاح، أتمنى أن تستجيب الإمارات لذلك الطلب.

هذا القرار ليس باليسير، فنحن نتحدث عن حدث قيل إنه سيوفر ما لا يقل عن 49 ألف وظيفة، ويسهم بدعم الاقتصاد بمبلغ 33 مليار دولار وبنحو 1.5 في المائة بالناتج المحلي الإجمالي، وإنه سوف يستقطب نحو 25 مليون زيارة.

العالم كله يواجه قرارات مؤلمة، فالسعودية طلبت من المسلمين حول العالم التريث في خطط الحج والعمرة وعلقت أداء الصلاة في المساجد، وأغلقت الحرمين الشريفين في حادثة أولى من نوعها في العصر الحديث لإجراء التعقيمات اللازمة قبل إعادة فتحهما.

وهذا يجرنا لمسألة مهمة في الإدارة واتخاذ القرارات وهي مرحلة قياس «البدائل» وتداعيات «القرارات»، فيصعب تصور خطورة القرار من دون قياس تداعياته، ومقارنته بالبدائل المطروحة، ولذلك نقول مجازاً في أدبيات اتخاذ القرار إذا ما كنت تقود سيارتك في الطريق السريع نحو وجهتك (هدفك) وداهمك شعور غريب أو مخاوف ما فلا تتجاهلها حتى تنجو بحياتك أو تقلل من مخاطر قرارك، فما بالك إذا كان وميض لوحة التحكم يشير إلى وجود مشكلة ما.

هنا نحن أمام حالتين: الأولى «توقع» حدوث مشكلة (شعور فقط)، وحالة أخرى «يقينية» بقرب وقوع مشكلة (بسبب وميض اللوحة)، ولذا كان من أبجديات التصرف الرشيد الاستجابة إلى الاثنين ولكن بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال.

وهناك مسألة أخرى مصيرية في اتخاذ القرارات في عالم الإدارة وهي عدم اليقين uncertainty، وهذه من أكثر الأمور التي تدفع الشركات والمنظمات العامة إلى التردد أو التريث، وعنصر عدم اليقين يعقد عادة عملية اتخاذ القرارات، لكننا مضطرون إلى تجميع ما بوسعنا من بيانات ثم نُقدِم على هامش مقبول من المخاطرة، فجامعة هارفارد مثلاً التي تقدم تنبؤاتها الاقتصادية بشرت بتوقعات إيجابية للاقتصاد عام 2008، لكن أوقافها كانت من أكثر الاستثمارات، التي تأثرت سلباً في الأزمة المالية العالمية في تلك السنة.

وفي مطلع شهر مارس الماضي تنبأت بأن منحى تعافي الاقتصاد قياساً على بينات أوبئة عالمية سابقة سيكون أفضل قليلاً وأسرع مما يتوقع الناس بعد أزمة «كورونا». وهذا مجرد تنبؤ بناء على بيانات متوافرة من عقود ماضية ثم تحسب رياضياً، فأنا كوني متخذ قرار في مجلس إدارة أو مؤسسة عامة من البديهي أن أستند إلى هذا النوع من البيانات شريطة أن أعطي وزناً نسبياً آخر لبيانات ومؤشرات أخرى محلية وإقليمية، لتقليل تداعيات القرارات، خصوصاً عند وضع استراتيجية أو خطة عمل.

والأمر نفسه ينطبق على حياة الفرد، فحينما يقرر المرء عقد قرانه على زوجة أو زوج المستقبل، فهو في الواقع يتخذ القرار بناء على بيانات ومعلومات وشواهد سعى جاهداً إلى تجميعها وملاحظتها، وكذلك الحال في اختيار الوظائف والمناقصات والمشروعات الكبرى.

نحن نجتهد في ميادين الحياة، لتقليل ضبابية مشهد اتخاذ القرار، غير أن الأسوأ هو ذلك الذي يعتبر حالة «عدم اليقين» سبباً كافياً للتأجيل تلو التأجيل في كل قرار يعترضه حتى تجده يراوح في مكانه، ولذا من يفهم في أبجديات اتخاذ القرارات يدرك أنه ليس هناك «شماتة» في اتخاذ القرارات طالما أن جميع العوامل قد تم دراستها، وهذا ما يحدث في معظم مجالس الإدارات المهنية في العالم التي لا تحاسب الرئيس التنفيذي أو المدير العام على القرار بل على آلية اتخاذه للقرار ومدى موثوقية البيانات والمعلومات التي بَنَى عليها قراره.

وهنا مسألة في غاية الأهمية وهي قضية المبالغة في الحدس intuition، التي يجب ألا تكون الأساس في القرار، بل هي آخر عامل يدخل في المشهد بعد جمع كل البيانات المطلوبة. هكذا نقترب من القرارات الرشيدة.

وتجدر الإشارة إلى أنه من السهولة المضي قدماً في قرار ما، ليس لسبب سوى أنك قد قطعت على نفسك عهداً باتخاذه، لكن الأصعب أن تتراجع عن قرار فيه مصلحة مادية لصالح مصلحة جماعية أسمى.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات